التخييم في المملكة مر بمراحل متغيرة، كانت ولازالت تعكس الحالة المجتمعية السائدة في كل حقبة، نستكشف في هذا المقال هذه الأوجه والتحولات في التخييم، ونتعرف على منظور إبن الجزيرة المعاصر وتطور علاقته مغ الصحراء، عبر مقابلة مع أحد ملاك الإبل. ونتعرف على درجات الرفاهية المتواجدة حاليةً في بعض المخيمات.

منذ بدء تواجد العرب على أرض الجزيرة وحتى أواخر القرن العشرين، وهم يرتحلون في هذه الصحراء القحراء الشاسعة بحثاً عن الماء لمشربهم ومرعى إبلهم وماشيتهم، وهو الأمر المرتبط بوجودهم الذي كان يدفعهم للتنقل والترحال تماشياً مع الطقس القارص ببرودته وقاسي بحرارته، كل ذلك في بوتقة عنوانها الجفاف وقوة التحمل والصمود وانعدام الشكوى ولعن الحال كما يرددون أحفادهم المتصلين بجذورهم ( نحن قومٌ لا نجزع) لذلك لا يمكننا تشبيه التخييم بمعناه وإطاره الغربي، الذي قد يركز على التجربة التي تهدف لتغيير بيئة المدينة الصاخبة أو الروتين الممل، وتكون فترة التخييم هذه لا تتجاوز الأيام والأسابيع ونحوه في مناطق تملأها الأشجار والأنهار، نحن لا نقصد هذا النوع الحداثي،
الحال ليس أو لم يكن كذلك في المملكة ، في مراحل الثانوية قد لا نرى بعض الأصدقاء إلا بعد عودتنا من الإجازة الصيفية ولا ليس لأنه يقضون يصيفون في لبنان أو مصر أو أوروبا ولكنهم في عرض الصحراء يقودون إبلهم قاطعين مئات الكيلومترات بحثاً عن المرعى المناسب كما فعل أجدادهم

ولكن قد تتساءل لماذا هذا الحال على ديمومته وقد تغير الزمان الراحة ورزقنا الله بالمال والذي يمكننا من استحداث الواحات والبحيرات أو على الأقل إيصال الكلأ والمشرب دون الترحال والمعاناة، ورحم أنفسنا من الجهد والمسيرات فوق أمواج رملية لا يُرى منتهاها بالعين المجردة، الرد يحمل بُعدين مادي وتربوي فلسفي.
كانت هذه الصورة تختص بالشاب الناشئ فقط ، الذي يتم إرساله لكي يشتد بدنه وتغتني حواسه وتبرز فراسته ولكن بعد أن ينجح ويتخرج من مدرسة الصحراء وتُصقل شخصيته، لا مانع من ان تدخل مظاهر الراحة والرفاهية وحتى والثراء في هذا البعد من حياة المعاصرة لابن الجزيرة مع الإحتفاظ بالإرث الاجتماعي والمواظبة على إتباع التقاليد الحميدة المنبثقة من جذور الحضارة العربية، وتوارثها عبر الأجيال المتتالية.
وبموجب مدى تغلغل ثقافة الصحراء وتعدد تجاربها يجب أن نفرق بين التخييم المقتصر على نصب الخيم البسيطة، والتي لا تتعدى قضاء ساعات معدودة أو يوم لحد أقصى في المناطق الصحراوية القريبة من المدينة، وتكون ذات تجهيزات بسيطة وتسمى باللهجة السعودية (الكشتة) لكننا عندما نتحدث عن التخييم والمخيمات نقصد الأشخاص الذين يقضون أسابيع وأشهر طويلة في الصحراء.
الرفاهية في نطاق حياة البر الحديثة هو عالم كبير وله درجاته وفئاته وصوره المختلفة وهو مفهوم متواجد من وجود العرب في الجزيرة وبكن تغيرت أساليبها وأدواتها وخصائصها حيث قديما من كان صاحب الخيمة الكبيرة والتي لا يطفأ ناره هو من يُنظر إليه بالتقدير والرفعة، لكن العنصر الأساسي في مثل هذه المخيمات بجانب المرفقات الأساسية والأجهزة المناطة بتوفير ماء وكهرباء والإنترنت الذي أصبح من الأساسيات، هي الكرفانات التي استبدلت الخيم العربية التقليدية التي كان تعتبر مجلس للضيوف ومكان للنوم، ولكن اليوم البيوت المتنقلة الفخمة التي وكأنها تعطي انطباع الأجنحة الملكية الفندقية الفخمة ولكن في القعر الصحراء،
والجدير بالذكر أن هذه المخيمات التي تحتوي على عدة كرافانات وخيام بأحجام وأنواع مختلفة ومرافق تلاقي إحتياجات المتواجدين بها هي بإختصار (قرى صغيرة حديثة) تُنصب في مناطق تبعد مئات الكيلومترات عن أقرب مدينة، والكرفانات يمكن أن يتم تجهيزها وتفصيلها واختيار تقسيماتها بناءً على المساحة وبالطبع درجات الفخامة تحكمها التكلفة والخامات والأقمشة المستخدمة، والمفهوك ليس بغريب، ولمن لا يعلم فإن ذلك إنعكاس لثقافة أهل الجزيرة حيث أن نوعية وكمية وقيمة الإبل هي المقياس لمدى ثراء الشخص وإتساع خيمته هو إمتداد لعزته وكرمه، حيث هناك أنواع ‘جِمال إبل أصيلة موثقة النسل والأصل الذي يرجع في بعض الأحيان إلى أكثر من 1500 مضت (حقبة الجاهلية) وتصل قيمتها لملايين الريالات هذا الأمر أصبح ينعكس على فئة الكرفانات المملوكة للشخص ودرجة رفاهيتها،

كل ما يتخيله المشتري الباحث عن الرفاهية يمكن خلقه وبالنطاق والطبيعة المرادة، وذلك لا يعني بأن تخييم الكرفانات يقتصر على المستوى الإيروستقراطي الذي تغمره أوجه الرفاهية وذو التكلفة الباهظة، حيث إن هناك كرافانات مخصصة للتخييم البسيط وهي تلك التي يتم تصميمها وتركيبها فوق سيارات الدفع الرباعي، وتكون بالطبع أكثر عملية في الترحال وأقل فخامة وسعة، خاصةً إذا كانت كرافانات مصممة على النمط الأوروبي أو الأمريكي ذو الفئة الإقتصاديةالمتوسطة، وهي كرافانات لا تتسع إلى أكثر من شخصين أو ثلاث ولا يوجد بها مولد للكهرباء والخصائص الثانوية الموفرة للراحة.
يتم تصنيع الكرفانات من هياكل فولاذية وألواح عازلة لا تعطيها الثقل المقيِّد ولكن الشدة والكفاءة المطلوبة لكي تتحمل الأحوال الجوية الصحراوية المختلفة، وبالطبع العزل هو جزء مهم في تصنيع الكرافانات الفارهة.

أغلبية الذين يتم تصنيع هذه البيوت الفارهة المتنقلة لأجلهم، هم من الطبقة الإجتماعية العليا التي ينتمي إليها رجال المال والأعمال والشخصيات المرموقة وأصحاب المخيمات البرية الموسمية الطويلة، أي الذين يقضون أكثر من ثلاثة أشهر من السنة في الصحراء ولرحلات الصيد أو تلبية لرغباتهم النفسية بجانب ملاك الإبل الذين يفضلون البقاء بعيداً عن المدينة بتسارعها وصخبها، هؤلاء يستعينون بهذه البيوت المتحركة ”الكرفانات” لأنها أكثر أماناً من الخيام حيث تمدهم بالدفئ في أوقات البرد والراحة في أوقت الحر وذلك لا يعني إختفاء الخيمة التقليدية حيث لا تزال عنصر مهم في الثقافة لكن يصبح دورها مخصص لإستقبال الضيوف و الولائم.
أنواع ”الكرفانات” كثيرة ومتنوعة، فبناؤها يعتمد على المواصفات المطلوبة من العميل ودرجة وخصائص الرفاهية والفخامة الذي يريدها، والهدف المستخدمة لأجله إن كانت للراحة أو لإستقبال الضيوف أو النوم، وكل شركة لها طريقتها في تصنيف وإنتاج هذه البيوت المتنقلة.

استخدامات الكرفانات الخدمية تتعدد حسب الحاجة حيث إنه قد يتم تخصيص بعضها كدورات مياه متنقلة، أو مطابخ كبيرة للعزائم وبل مطاعم متنقلة ودكات ومجالس متنقلة، عن الفخامة في الكرفانات الخاصة التي تمثل غرف نوم ومكاتب كالموجودة في الفلل الفارهة والأجنحة الفندقية الفخمة
تكلفة بناء ”الكرفانات” تعتمد على عدة أمور منها الطول والديكورات الداخلية ما هو الغرض الأساسي منها حيث إن أسعارها تتراوح بين 280 ألف إلى مليونين ريال سعودي، وقد تزيد قيمتها عن ذلك، وذلك بناءً على الشركة وموطنها والتصميم المختار، هذه القيمة المقتصرة على أنواع الكرافانات الكبيرة والفاخرة ، إلا أن الكثير من الأشخاص الذين ينتمون للطبقة المتوسطة وما فوق المتوسط يشترون من فئة الكرافانات المتوسطة التي تتراوح أسعارها بين 200 ألفا إلى مليون ألف ريال كحد أقصى

وبالنسبة إحجامها تختلف المقاسات ولكن في معظم الأحوال لا يزيد العرض دائما عن أربعة أمتار وأما من ناحية الطول فإنه بناءً على الطلب حيث، يصل إلى طول 26 مترا أو أكثر خاصة إذا كان الهدف من الكرفانا هو بيت متنقل أو ليمثل جناح أو جزء من بيت أو قصر حيث إن الأثرياء يحاولوا وضع إطار الراحة حولهم أينما ذهبوا ولا تستغربوا إذا رأيتم كرافانات ومقطورات مخصصة للترفيه فقط داخلها طاولات البلياردو والتنس طاولة وغيرها من كل ما يريده المشتري والباحث عن أرقى أوجه الرفاهية في قعر الصحراء.

تكلفة بناء ”الكرفانات” تعتمد على عدة أمور منها الحجم والطول والديكورات الداخلية والأقمشة والأثاث والخامات المستخدمة في التصنيع والتكنولوجيا المناطة بالحفاظ على درجة الحرارة المناسبة والأجهزة الكهربائية مثل شاشات العرض والتحكم وأجهزة المطبخ وغيرها، كل تلك الخصائص تتغير بناءً على الغرض الأساسي من وراء بناء الكرافانا، كما نجد في شركة فانا لتصنيع الكرافانات، التي تعتبر أحد أفضل الشركات المختصة بهذه الصناعة في المملكة، بدءً من الكرفانات وصالونات الرحلات إلى المقطورات متعددة الأغراض، لكنها تتفرد بتصنيع كرفانات الرحلات الفاخرة المسمية بـ(البرق الملكية) التي تتراوح أسعارها من 280 ألف إلى ملونين ريال سعودي والفئة التي تليها التي تسمى (البرق) وهي من الفئة الفاخرة أيضاً ويتم تصنيعها بمقاسات متعددة تصل لمقاس 28م لإستخدامات الرحلات، وتمثل الفئة المتوسطة العليا التي تبدأ أسعارها من 150 الف و حتى مليون و مائتين الف ريال سعودي، هذه الاسعار لا تشمل الضريبة ولا تشمل مولدات الكهرباء والتكلفة تتفاوت بناءً حسب الحجم.

كذلك يقوم المصنع بتصنيع الكرفان حسب المواصفات المطلوبة من العميل ، كما يقوم المصنع بتصنيع مستشفيات وعيادات ميدانية ، مختبرات ميدانية، مكاتب متنقلة، غرف اجتماعات، فنادق متنقلة، ورش متنقلة، مراكز متنقلة للتبرع بالدم ، غرف عمليات عسكرية متنقلة، عربات الصرف الآلي المتنقلة، مراكز إعلامية، غرف اتصالات ميدانية، غرف قيادة وسيطرة، دورات مياه متنقلة، مطابخ ومطاعم متنقلة ودكات ومجالس متنقلة كما نقوم بصيانة كاملة لما ذكر، وهذا كله على سبيل المثال لا الحصر وحسب المواصفات التي يطلبها العميل. فانا للكرفانات بجانب شركات كثيرة مختصة لديها القدرة لتصنيع الكرفان الذي تريد بتكلفة تتفاوت حسب الحجم والفئة.


في حوار مجلة إسكواير السعودية مع الأستاذ محمد بن عبدالله بن محمد الدهمشي رجل الأعمال وأحد ملاك اللإبل في المملكة، يتطرق لطبيعة إرتباطه بالصحراء وتأثيرها على شخصيته وحياته منذ الطفولة.
” إن الصحراء لا تمثل لي منطقة للتخييم بل هي إمتداد لوجودي كإنسان عربي مسلم حيث لم تخلوا طفولتي و شبابي منها فهي البيئة التي إستخدمها والدي رحمه الله في صقل شخصيتي، وزرع عبرها سمات ومفاهيم مهمة كانت ولاتزال جزء محوري من نجاحي فالعزلة والهدوء الذي كنت أنفر منه في أوائل عمري بموجب طاقة المراهقة الفائضة أصبحت ملاذ لي لا أطيق الإبتعاد عنه لفترات طويلة، لأني أعتقد أن هذه البيئة محورية لإتزان النفس البشرية”
محمد بن عبدالله بن محمد الدهمشي
ويضيف “من تجربتي فإن الرفاهية في مخيمي بدأت بالتدريج حيث أنها عملية تصاعدية وهي إنعكاس لتطوري على الصعيد العملي والشخصي، حيث أن أول كرفانه إقتنيتها لم يتجاوز سعرها 6200 ريال وكانت مستعملة وأظن أني كنت محظوظ عندما عثرت عليها، وكانت مجرد غرفة صغيرة تتكون من سرير بسيط وجلسة أرضية تقليدية، ولكن مع توالي الأيام والعمل رزقني الله وصعدت على سلم الرفاهية حتى إشتريت مؤخراً كرفانة من فئة رويال كرفانا وهي جيدة وفخمة وقيمتها تتعدى الـ400 ألف ريال، ولكن مع ذلك كله أنا لا أذهب للصحراء وأـوق إليها وأسكنها لأسابيع وفي بعض الأوقات لأشهر لكي أذوق حياة الرفاهية المتوفرة في المدينة، الحقيقة في كثير من الأحيان أترك الكرافانا الفارهة وإعطيها لضيوفي أو الذين يعملون معي، وأنا أنام في الخيمة ولا أرتاح إلا بهذه فكما يقولون (من شب على شيء شاب عليه).”
محمد بن عبدالله بن محمد الدهمشي
قد يهمكم الإطلاع على 5 أسباب لزيارة مهرجان الملك عبدالعزيز للإبل
