يمثل هذا العمل إحدى الصور والمعاني التي يعبر عنها إدغار ألن بو في قصائده، وخاصةً أفضل وأشهر إنتاجاته الشعرية الخالدة، قصيدة alone و a dream with in a dream التي تجسد معاناته بالوحدة والسراب الذي يوحي بالقرب من الحقيقة المتلاشية.

في فيلم The Pale Blue Eye العين الزرقاء الشاحبة يبدأ إستدعاء أحد أبرع المحققين ليبحث عن أطراف خيوط مختفية لكشف خفايا جريمة قتل بشعة في كلية عسكرية، ويتعرف على (الطالب) الشاعر إدغر ألن بو الذي ينتهي به الأمر ليصبح شريكه في التحقيق، الفيلم يمشي برتم صارم ومقيَّد ورصين الحركة، لا يتخلله لحظة باعثة للملل موجب سياقه التشويقي، والجميل في الأمر أنه لا حاجة لعناء الذهاب لدور العرض، يمكنكم مشاهدته على نيتفلكس.
كريستن بيل يلعب دور المحقق أوغسطس لاندور وهو دور لرجل غريب الأطوار، يحمل في نفسه أسرار مؤلمة تحتاج لتخدير (بالكحول) حتى لا تطفوا على السطح، يبدأ السرد بإستدعائه من رئيس الكلية العسكرية في ويست بوينت لحل الجريمة التي أرّقت الكلية بطلابها وضباظها. وبسببها تعالت أصوات سياسيي واشنطن، ولكن المحور والعماد الإساسي للفيلم هي العلاقة التي وصفها المخرج سكوت كوبر بالإستلطاف والمحبة المتوترة التي تتحول لصداقة وإعجاب غير تقليدي، هي علاقة بين رجلين غريبين محنكين كل منهما يمر بمرحلة مختلفة من الحياة بفردانية مع بعض التقاطعات النفسية.

في وقت مبكر من تحقيقاته، إلتقى لاندور بـألن بو المثير للإهتمام الذي لا يشبه زملائه من الطلبة في المنظور وأسلوب الحديث Poe، الذي يملك القدرة لحل العُقد عبر ربطها بقصائده التي يبين بأن أمه المتوفية تتحدث إليه عبرها في نومه ويقظته، هناك العديد من المشاهد واللقطات التي تظهره بهيئة الشاب الصغير، ذو الوجه شاحب والشعر الخفيف العينين الجاحظتين التي المفعمتين بنظرات الفراسة والبؤس بشكل لا يمكن تجاهله.
أصبح إدغار ألن بو يتيم في سن مبكرة، وهو الأمر الذي تذكره نسخته الشابة ضمن الفيلم، ونشأ في منزل رعاية داخل بيئة غير صحية في مدينة ريتشموند بولاية فيرجينيا ، وفي فيلم “العين الزرقاء الشاحبة” يتحدث بأسلوب وصفي يحمل معاني ومرادفات منمقة بلكنة جنوبية أنيقة، تعود إلى حقبة يحيطها البلاغه، هو شاب يافع مهووس يصنف نفسه على أنه أرستقراطي، ويلمس المشاهد منظوره الفريد ودرجة إنتباه الثاقبة ومنظوره التحليلي وإقدامه الإندفاعي المراهق، فهو شاعر في منتهى الأمر، يترجم الأحاسيس و الأحداث ويتأثر بها بعنفوانية، وهي سمات الشخصية التي نتخيلها عندما تستحضر الشاعر الكبير، في ذلك العمر

ومن أوائل المشاهد الدالة على ذلك هي في حوار بو مع المحقق لاندور في أوائل لقائاتهم في الحانة المظلمة، حين قال له أنه يعرف قاتل الطالب الذي مثّل بجثته المتدلية من أعلى شجرة الموحشة داخل محيط الإكاديمية، وماهي رمزية إنتزاع قلبه وطبيعة القاتل الذي ظن أنه شاعراً حينها، وإستنتج ذلك بناءً الرمزية، حيث يفسلر بعد ما بادله المحقق نظرات ممزوجة الإستهانة والإعجاب لحقتها إبتسامة، قائلاً إذا أُنتزع القلب فإنه يفقد قيمته التجسيدية ولم يعد إلا عضلة عادية،

مع مرور الأحداث تنكشف العديد من الخفايا مع تعدد مشاهد القتل التي تزداد وحشية وغموض حتى تحوم الشكوك وتتنقل في عقل لاندور ويبرز على السطح الحب المفعم بالغرابة وبموجبه التضحية الا عقلانية، تتوالى الأحداث ليصل المشاهد لما قبل النهاية ويقتنع بأن منتهى الأحداث هي بالفعل كما يراها، ولكن ما أن تنقشع الغمامة عبر تحليل ذكي يريط لأحداث والدوافع، لتوضح الصورة الصادمة بكمالياتها و نهايتها الفاجعة أمام أعين الجمهور، بفعل الشاعر اليافع إدغار خلال مشهد تمثيلي عظيم.

قد يهمكم الإطلاع على فيلم Operation Fortune: Ruse de Guerre، رحلة إنقاذ إستخباراتية مليئة بالنجوم.
