الصيام يتمحور حول إنتصار الدافع الروحاني المتجاوز على الرغبة المادية القصيرة المليئة بمحبَبات النّفس وتلذّذاتها. ليجمع يبن التنسك والسعادة من منظور جمعي

الصيام طقس تعبدي عرفته أقدم الحضارات والأمم والأديان، ينبثق من مقاصد وضوابط مختلفة بطبيعة الحال، ويُختلف على معرفةمن هو أول مارس الصيام في البشرية، يقول البعض أنهم قدماء المصريين الفراعنة والذي كان يصومون عبر بإمتناعهم عن تناول الطعام منذ الشروق الى الغروب للتقرب من ، ولكن لا يمكن تأكيد ذلك فإن الصيام قد يكون فعل وممارسة مربوطة بالإنسانية نرافقه مرضه وحزنه وقلقه كما يتجه له بحثناً عن الصحة والتوازن النفسي والروحي.

الصيام

لكننا نعيش اليوم في عصر إطارات العولمة الجاذبة التي تنتهي بالإستقطاب “الترندي” المفوج من إبداع جديد، والذي يتم ترويجه من قبل المشاهير والمقتدى بهم، وفي الكثير في الأحيان لا يأتي بشيء جديد، بل يعيد تقديم ممارسات كانت ولا زالت جزء من حياة مئات الملايين، مع وضعها في قالبها المناسب، كأساليب التأمل والتفكر الروحاني المرتبط بحركة جسدية والذي وُجدت في كثير من الأديان السماوية والوثنية، ولكن المظهر الأهم هو الصيام الذي وجد عند الأديان السماوية وفي المجتمعات القديمة والمتأخرة، وأهم تجسيد له يكون خلال شهر رمضان الذي يرتبط به كل مسلم، لأهميته.

والجدير بالإستحضار أن فعل الصيام الديني يأخذ ملامح مختلفة ولكن قد بهدف لنوع من التقرب من المعبود وتجذيب النفس، وهو موجود بشكل مختلفة في المسيحية ويسمى الصوم الكبير وهو الصّوم الذي يسبق عيد القيامة، وبعتبر طقسياً و كنسياً مهم وأيضاً يسمى بـ ( الصوم السيّدي أو الأربعيني ) ، و هو الأطول زمنياً بحيث يبلغ 55 يوماً غير متقطّعة،ولكن ليس صوم كامل حيث يمتنع فيه الصائم عن تناول الأطعمة ذات المنشأ الحيواني ، كاللحوم و البيض و الألبان و الأجبان، وبتعمد إلى أكل الخضراوات و الفاكهة، أو ما يعرف بالأكلات المطهوة بالزيت في مواقيت محدّدة تُعرف بالقطاعة.

والهدف الروحي يتلخص في إعداد المؤمن، والتوبة من الذنوب، والصدقة وممارسة أعمال الرحمة. تُقام طقوس الصوم الكبير من قِبل العديد من الكنائس المسيحية منها الكنيسة، واللوثرية، والميثودية، والكنيسة الرومانية الكاثوليكية

ولكن عند المسلمين الصيام كا مقصد وحكمة فأنه يتمحور حول، تقديم رضا الله على النفس، والتضحية بالوجود والرغبة الشخصية الإنسانية عبر بالامتناع عن الطعام والشراب، و بالإمساك عن الشهوة والبعد عن قول الزور والفحش واللغو والرفث، وذلك ابتغاء لوجه الله وحده، الذي لا يجب التقرب لغيره بمثل هذا الأسلوب من القربات، ومن هنا ينبض ثوابه العظيم.

كذلك، نرى الأديب “مصطفى صادق الرافعي”، يخبرنا أن تلك الصفة التي يحققها الصيام قد “أوّلتُ من (الاتّقاء)، بفعل الصوم يتقي المرء على نفسه أن يكون كالحيوان الذي شريعته مَعِدته، وألّا يعامل الدنيا إلا بمواد هذه الشريعة، ويتقي المجتمع على إنسانيته وطبيعته مثل ذلك، فلا يكون إنسان مع إنسان كحمار مع إنسان: يبيعه القوة كلَّها بالقليل من العلف!”.

وأهم المقاصد هو الصلاح الداخلي بين المرء وربه، الذي يحقق بأصدق صوره، نوع مختلف من السكينة المجتمعية التي تتمثل بتوحد هذا الشعور بين الأنفس، ذلك لأنه “في ترائي الهلال ووجوب الصوم لرؤيته معنى دقيق آخر.. وهو إثبات الإرادة وإعلانها، كأنما انبعث أول الشعاع السماوي في التنبيه الإنساني العام لفروض الرحمة، والإنسانية والبر ونصبح جميعاً الجسم الواحد الذي يشعر بإحساس الألم المولد للرحمة.

 وتحدث الرئيس الفيلسوف عزت بغوفيتش عن ثنائية الأركان الخمسة في الإسلام، والتي تحقق العبودية فرديًا وجماعيًا، فتصل العبد بربه وتؤسس في ذات الوقت عواميد الارتباط بين أفراد المجتمع.

إستطرق عبد الوهاب الميسيري لوجود المتزامن للنقيضين، والحضور متفاعل بينهما، فيتم جمعهما في كيان واحد، عبر تجربة حقيقية تثبت هذه الإمكانية للتفاعل بينهما؛ ذلك “لأن التجربة المعيشة هي توحيد بين الجانبين: النظرى والعملى، الروحى والمادى. ومن ثم فهذه التجربة المعيشة ليست هذا ولا ذاك، بل هى أكثر تركيبية من أى منهما بمفرده

عند اليهود ينقسم الصيام لنوعين فردي للتكفير عن ذنب وخطيئة وصيام جماعي يتزامن مع مع ذكرى يوم كارثي في التاريخ اليهودي ، منطلق اليهود في الصيام هو إحياء لقصة حدث قديم، ويعتبر مأساة تاريخية بسردية بالطبع غير موضوعية ومحرفة كا يوم الغفران الذي يستحضر السبي البابلي، الذي يصومون فيع عن الأكل والشرب والإستحمام ولبس الجلود والعمل وتغيير الملابس وهو اليوم الوحيد المفروض على اليهود صيامه،

الصيام بأعين العلماء

الكثير من الفلاسفة كانوا يصومون بدوافع شخصية هذفً للوصول الى نقاء الذهن وزيادة التركيز كأمثال أفلاطون وسقراط الذي كان يصومون لعشرة أيام لأسياب ذهنية ونفسية بجانب الدوافع الصحية وكوقاية من المرض، وكما يقول ديكارت بدلاً عن تأخذ دواء صم يوماً واحداً، وكان ما يظن أبوقراط أحد مؤسسي الطب الحديث بأن عندما تأكحل في خضم مرضك فإنك تعذي المرض بداخلك وهي أحد الأصول التي جعلت الصوم يتم إستخدامه كأحد أساليب العلاج للمرض، مارسه فلاسفة اليونان، وعلى الأخص فيثاغورث الذي إعتاد أن يصوم في العام 40 يوماً، كما كان لا يقبل أي من التلاميذ إلا من يستطيع إثبات قوته وذاته بالصيام، فالصيام بالنسبة له كان دليلًا فلسفياً على التحرر من رغبات الجسد، وبالتالي دعمًا لنبوغ العقل والروح معًا.

وفي نظرته الفلسفية للصيام، يقول الفقيه والمفكر الإسلامي محمد الغزالي بأن “الصيام عبادة مستغربة أو منكورة في جوِّ الحضارة المادية التي تسود العالم”. تلك الحضارة التي “تؤمن بالجسد، ولا تؤمن بالروح، وتؤمن بالحياة العاجلة، ولا تكترث باليوم الآخر! ومن ثمَّ فهي تكره عبادةً تُقيِّد الشهوات -ولو إلى حين- وتؤدِّب هذا البدن المدلَّل، وتلزمه مثلاً أعلى” ومن هنا تأتي خصوصية الصيام عمّا سواه من الشعائر، فلا شيء يوطّن المرء على ترك غريزته الحيوانية إلا ذلك الذي يلمس ويشعر بمسؤوليته الإنسانية الشاملة.

“الصوم نظام يمنح الإنسان قوة في مواجهة أشد الميول الغريزية والفردية في نفسه، ويجعله مسيطرًا عليها في طريق الإيمان”.

علي شريعتي

الصيام من عدسة تاريخية سياسية

هناك من في التاريخ من يصوم كإحتجاج على ظلم وكإعتراض مسالم على أمر ما يحدث لشخصه وجماعته، كما حدث مع مهاتير غاندي يصومه الشهير الإعتراضي، على سياسات الحكومة البريطانية وترك فعله ذلك أثر في نفوس أتباعه، زكما نرى اليوم أبرز من يتبع هذه الإستراتيجية في الإعتراض والمواجهة السلمية التي تعتبر السلاح الأخير لم صودرت حريته هو أبطال معارك البطون الخاوية في فلسطين المحتلة من الأسرى الذين تم زجهم بمعتقلات الإحتلال لا قانون أو حق، ويسمى هنا إضراب عن الطعام.

هناك أبحاث تقول أن الصيام بفعل بروتين bdnf وهو العامل الأساسي والمحرك في إنتاج خلايا جديدة للمخ ونعرف بأن المخ لا ينتج خلايا متجددة بسهولة ، وهناك دراسة علمية تمت في جامعة الملك سعود تابعت خلالها مجموعة من الشباب قبل وخلال شهر رمضان، و كانت مخرجاتها بأن الصيام يعزز اليقظة والإنتباه عن طريق توصيل موصل عصبي orexin_A اوريكسان ايه، وهو ما يدفع للإستنتاج بأن الإنسان عن يتوقف عن نتاول والشرب فإن الجسم بشكل ما يفعل ويقوى حواس الإنتباه واليقظة للهدف بحثاً عن الطعام

الصيام المتقطع

وهناك مايسمى بالصيام المتقطع المبني على عملية الإلتهام الذاتي التي تحدث خاصة أثناء النوم، وكما ذكرنا فإن الصيام يأخذ أشكالاً متعددة تنبثق من ديانات وممارسات روحية مختلفة، ولكن ما يركز عليه هذا النظام الامتناع عن الطعام مدة 24 ساعة كاملة، مثلاً، عدم تناول الطعام من بعد وجبة العشاء في يوم ما حتى موعد وجبة العشاء في اليوم التالي. ويسمح خلال فترة الصيام بتناول سوائل خالية من السكر فقط، مثل الماء، والقهوة، والشاي. ويتبعه الكثير، بهدف خسارة الوزن، ويشمل تناول كميات صغيرة من الفاكهة والخضروات النيئة أثناء النهار، وتناول وجبة جيدة ليلاً، ولكن طبيعة هذا الصيام الحداثي، يتمحور حول المخرجات الفيسيولوجية مثل النضارة والمحافظة على صحة الجسم، وتحسين المناعة، ولا يعير إهتمام للجانب الروحي المشجذب للنفس البشرية كما يفعل الصيام الإسلامي الذي يعالج الجوانب النفسية والجسدية معاً.

قد ننفر أو نتجاهل ممارسات توارثناها منذ مئات السنين، بفعل أُلفة القالب التقليدي، ولكن قد يتقبلها الكثير اذا أتت نفسها بع تحويير بسيط في الشكل وعنوان معاصر يروج لها من يصنع الصورة الثقافية العالمية من مؤثرين ومشاهير و إخصائية.

قد يهمكم الإطلاع على رحلة النحت بين المشرق والمغرب

المحتوى ذي الصلة