قد يظن البعض بأن بمقتضى المشاهد المتكررة على القنوات الإخبارية ومنصات التواصل الإجتماعي بأن الحرب على أشدها بين روسيا و أوكرانيا التي (يقف ورائها القطب الغربي بمجمله (أمريكا والإتحاد الأوروبي)، لكن الواقع هو بأن روسيا إلى الأن لم تدخل الحرب بكل ما تملكه من قوة بشرية وعتاد عسكري وكانت من منظورها تتحرك بعملياتها بشكل كامل لتسيطر على المساحة على الأرض التي تضمن لها أمنها الإستراتيجي وينتهي الأمر بشكل من أشكال الحوار والمفاوضات التي تثبت الهيمنة الروسية الجيوسياسية على محيطها، وهو الأمر الذي سيحدث عاجلً ام أجلاً بمقتضي تاريخ الصراعات العسكرية في العصر الحديث،

ولكن الدافع الذي زجت بروسيا للحرب في المقام الأول وهو رفض تبعية أوكرانيا للإتحاد الأوروبي وخاصة أنها منطقة نفوذ روسية من ومنظور الرئيس فلادمير بوتين و لها موقع إستراتيجي يؤثر بشكل مباشر على حرية الملاحة البحرية والأمن القومي الروسي، والجدير بالذكر بإن روسيا لاتزال تنظر للخريطة التي كانت تحت قبضة الإتحاد السوفيتي بنظرة إمبراطورية و مخلوطة ببعد قومي يستخدم المسيحية الأرثودكسية كارباط للهوية القومية التي قامت على أنقاض الإمبراطورية السوفيتية،

روسيا

أن أعلن الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، التعبئة الجزئية، صباح الأربعاء، الماضي وبطبيعة الحال أعلنت أطراف مختلفة لها دور فعال في الصراع رفضها، من بينها أوكرانيا، التي أبدت معارضتها ونقدها لهذه الخطوة، في حين اعتبرتها المملكة المتحدة اعترافًا بفشل الغزو الروسي للأراضي الأوكرانية، وإنضمت أمريكا لتعبر عن حنقها المتعالي واصفة تلك الخطوة فشل روسي و قالت السفيرة الأمريكية في كييف بأن الإستفتاء في وقت سابق من عدة أيام وإنتهت إلى موافقة 93 بالمئة من قاطني للإنضمام للدولة الروسية (حسب وسائل إعلامية روسية)، وهو الأمر القابل للتشكيك لعدم وجود مراقبة وألية واضحة لهذا الإستفتاء الذي طرحته الحكومة الروسية،

إن تواتر الأحداث و تطورات الصراع الأوكراني الروسي و الذي يمكن وصفة بشكل أدق بالصراع الغربي الروسي حيث أن العامل المؤثر في تداعياته على الأرض هو الغرب بإطاره التقليدي، ولكن التبعات الإقتصادية لها أثار عالمية ونختص أزمة الطاقة التي بدأت تبعاتها الكارثية تكشف عن أنيابها مع إقتراب فصل الشتاء القارص و أكبر مثال على ذلك هو وضع حمهورية ألمانيا التي تستورد نسبة الغاز الأكبر من روسيا، إنقطع مع بداية الحرب المتزامنة مع التعبئة الإعلامية والسياسية والإقتصادية الدولية على روسيا،

لذلك رأينا المستشار الألماني بالأمس يبدأ رحلاته المكوكية في الخليج العربي بدءً بالمملكة العربية السعودية التي قابل عند وصوله جدة ولي العهد محمد بن سلمان و كان يرافقه رؤساء أكبر الشركات الإلمانية أهمها “إيرباص” و”تيسنكروب” و”سيمنز إنرجي” ومع تصريح الحكومة الألمانية بأن رحلة المستشار الألماني ليست جولة طارئة لتسوق موارد الطاقة أي بحث لحل و منفذ للخروج من أزمة الطاقة التي تمر بها بلاده إلا أن الواقع والتوقيت يصب لإستنتاج معاكس لهذه التصريحات أي أن ألمانيا تبحث عن مورّدين جدد للتعويض عن شحنات الغاز الروسي التي ستنفد قريباً،

موجة هروب المواطنين الروس من التعبئة العسكرية

شهدت إعلان التعبئة الروسية التي تعتبر أول تعبئة واسعة النطاق بعد الحرب العالمية الثانية التي ولدت ردود أفعال غاضبة وسخط و رفض شعبي أظهرته مقاطع فيديو ترصد تكدس السيارات على الحدود الروسية الجورجية وهي واحدة من الدول المجاورة القليلة التي يمكن للروس دخولها دون الحاجة إلى تأشيرة. على عكس فنلندا التي تشترك بحدود طويلة مع روسيا ويتطلب دخولها تأشيرة سفر ومع ذلك رصدت دخول أكثر من 5000 مواطن روسي في نفس ليلة الإعلان عن التعبئة الجزئية، وشهدت الوجهات الأخرى التي يمكن الوصول إليها عن طريق الجو مثل اسطنبول و بلغراد و دبي ارتفاعا حادا في أسعار التذاكر فور الإعلان عن التعبئة الجزئية للجيش، .

وأثار الاستدعاء لإنتشار إحتجاجات غاضبة في مدن روسية كبرى بما في ذلك موسكو وسانت بطرسبرغ ، مما أدى إلى اعتقالات بالجملة، وكل من تم إعتقاله تم إجباره على الإنخراط ضمن القوات العسكرية التي ستشارك في الحرب، وصرحت الحكومة الروسية في بادئ الأمر أن هذه التقارير الإعلامية تتسم بالمبالغة ولكن بعد ذلك إتخذت إجراءات تؤكد هذا المشهد حيث منعت سفر كل من هو مؤهل للخدمة العسكرية،

وحينها بدء يتصدر في محرك البحث غوغل في روسيا وفق إحصائيات جملة ” كسر الذراع في المنزل”و”طريقة كسر الذراع بأقل ألم” حيث بدء الروس بالبحث عن مَهرب من التجنيد والقتال في أوكرانيا .

الوساطة السعودية وتأثيرها في الصراع الروسي الأوكراني

بخطوة غبر متوقعة ولم تحمل أي تصريحات مهيِئة أقدمت السعودية على وساطة محورية عبر التأثير المباشر و الشخصي من طرف ولي العهد محمد بن سلمان الذي عمل بطرقه الخاصة و وظف مكانته الدولية لحلحلة شيء من التوتر حيث أخذ زمام المبادرة على عاتقه حتى لإنتهى أمر تبادل الأسرى بالتوفيق والسداد ، وصرح مسؤول سعودي بأن ولي العهد أجرى “اتصالات متتالية مع الرئيس الأوكراني فلودومير زيلينسكي وخاطب الرئيس الروسي فلادمير بوتين” وعقد “اجتماعات دورية” مع المبعوث الأوكراني،

وأشارت بعض التقارير بأن ولي العهد أجرى لقاءً مع الملبردير الروسي إبراهيموفتش الشهر الماضي في الرياض المقرب من الرئيس الروسي وأدرك أنه من المحتمل أن يستطيع أن يحرك البوصلة عبر إجراء محادثات حول تبادل الأسرى . وبالفعل إنتهى الأمر خلال العملية، التي جرت الأربعاء، التي أفرجت أوكرانيا فيها عن 55 أسير حرب، من بينهم رجل الأعمال الموالي للكرملين فيكتور ميدفيدتشوك، وبالمقابل أفرجت روسيا عن أكثر من 215 أسيرا، شارك معظمهم في الدفاع عن مصنع آزوفستال الأوكراني للصلب في ماريوبول.

كما تم الإفراج عن 10 أسرى حرب كانوا في قبضة الحكومة الروسية و جزء كبير منهم محكومين بالإعدام، بينهم 5 بريطانيين وأمريكيين إثنين ومغربي وكرواتي وسويدي، الذين وصلوا للمملكة ثم تم إرسالهم إلى بلادهم وبناء على تصريحات مسؤول سعودي فإن جهود ولي العهد وعمله الدؤوب لإنجاح هذا الملف إستمر على مدى شهرين بلا كلل،

ولاقت هذه المبادرة الإجابية ردود أفعال عالمية حيث توافدت الإتصالات ورسائل الشكر والإمتنان والإشادة من جميع أطراف الصراع، بدءً من بريطانيا وروسيا وأمريكا وأوكرانيا، في خضم الصراع المتفاقم الذي تغمره السلبية والإحباط، بدأ ظهور بصيص أمل، لإمكانية توسع دور ولي العهد حتى أن يشمل الدفع بالسلام وإنهاء الصراع الذي زعزع إستقرار العالم بمجمله.

قد بهمكم الإطلاع على العلاقات السعودية البريطانية تاريخ متأصل منذ القدم

المحتوى ذي الصلة