إن العلاقات السعودية الإيرانية تتسم بالتوتر التعقيد وتعدد الأبعاد، وذلك بدأ منذ تغير النظام السياسي في طهران في 1979 بصعود نظام المرشد الإيراني وما يسمى بالثورة الإسلامية الإيرانية، وإذا أردنا أن نستحضر الأحداث ونسرد التفاصيل والتدخلات والمحاولات والتعبئة والشحن، سنحتاج إلى مجلدات، ولكن قطع العلاقات الدبلوماسية هو المحور وهي الخطوة التي إقدم عليها الطرفين عبر العقود الماضية لعدة أسباب أشهرها كان الهجوم على القنصلية السعودية في طهران عام 2016 وحرقها مما تسبب بإصابة إحد الدبلوماسين ووفاته ومن ذلك الحين العلقات مقطوعة من قبل المملكة و دول الخليج بشكل متفاوت بين كل دولة

لقد تطورت العلاقة بين الرياض وطهران خلال الفترة التي تلت قيام الجمهورية الإسلامية في ظل تأثير نوعين من القوى السياسية الإيرانية التي تركت بصمتها على تطور العلاقات بين الدولتين، أولاً المؤسسة الدينية التي تتحكم بالدفة القيادية السياسية في الداخل الإيراني، ولا يخفى على أحد الخلاف الشرس العقدي وقد مع الحركة الوهابية والسنية، حيث تعتبر المؤسسة الدينية الإيرانية أن النظام السعودي ما هو إلا الوجه الآخر للحركة الوهابية وإن كان مافي الباطن والوصف الأدق هو العدائية والتنافسية على قيادة المركزية الإسلامية في الإقليم والعالم، أما القوة الثانية التي تبدو أكثر حضوراً ضمن متابعة العلاقة مع السعودية فهي القوة العسكرية والأمنية وتحركاتها و إدواتها، والتي يرتبط تغيرها وتأثيرها وإختياراتها في العادة بالتحالفات الأمريكية في المنطقة والدول التي تتحالف مع واشنطن.

تتلخص أُسس الخلاف في أربعة ملفات كبرى ىبن البلدين، تتشعب تحتها قضايا عامة، أول وأهم هذه الملفات المحورية في العلاقة المتوترة هو الملف الديني المذهبي ، والثاني متعلق بالتنافس على القيادة الروحية والسياسية للعالم الإسلامي، هذه المكانة التي لاطلما حاولت القيادة الإيرانية ملئها وتحويرها حتى تستحكم بمفاصلها ولكن الأمر أشبه بالمستحيل، وذلك لعدة إعتبارات منها مكانة وموقع الحرمين وتاريخ الجزيرة العربية لذلك نرى التعطش الفارسي للتوسع وبسط الأيادي على عواصم عربية عبر تدخلاتها الأمنية وإستخباراتية، والملف الثالث علاقة الطرفين مع الغرب وتحديداً مع الإمبراطورية الأمريكية المريضة وهي العلاقة المتأثرة بتحولات السياسة الداخلية الأمريكية،
وأخيراً من أهم الملفات هو النفط ضمن منظمة أوبك، والمقصود بذلك هو السياسات المتعلقة بالتسعير وكميات الإنتاج، وفي الحقيقة إن هذا الملف مرتبط بشكل مباشر بطبيعة التطورات المتعلقة بالملفات الثلاثة السابقة، وعادة إذا ما حصل توتر بين البلدين حول أحد الملفات سرعان ما نرى أثره على ملف النفط.

ما الذي تغير في العلاقة السعودية الإيرانية؟
إن قالب التحالفات وميكانيزمية التعامل مع الحليف الدولي ( القطب الأمريكي) أصبح كالمطاط تتغير مواقفه وإنحيازاته وأولوياته خاصة في نصف الأخير من العقد الماضي، وقد يفسر البعض ذلك لبزوغ دور القطب الروسي في المشهد الدولي وتهالك اليد الأمريكية في الشرق الأوسط الصورة التي أكدها الإنقسام السياسي الداخلي في الولايات المتحدة وخارجياً الهزيمة العسكرية في أفغانستان و بمقتضى ذلك فإن الكثير من الدول تجردت من تبعيتها أو تحالفها ولو بشكل جزئي فا شرطي العالم أصبحت أنهكته ألام الظهر التي لن تمكنه من الإحتفاظ بنفس المدى والتأثير الذي تعودنا عليه،
وقد يأخذ الأمر بعض الوقت للتركيز على حل المعضلات التي تنتشر في كل زاوية داخل البيت الأمريكي المفكك عرقياً وسياسياً، مما يدفع القوى الإقليمية المتمثلة بالمملكة وإيران لبذل الجهود بهدف إرساء إرضية للتعامل والتفاهم ضمن علاقة برغماتية متساوية يتفق عليها الطرفين، لكن العلاقة الحميمية ليست واقعية، لأن السياسة الدولية تعتمد على مبدأ السوء بالظن، بذلك وإن تجانست بعض المواقف أو المصالح، لكن المبتغى من قبل القيادة في كل من البلدين هو التفاهم في نطاق حماية المصالح، لذلك عُقدت 5 جولات من المحادثات بين مسؤولين إيرانيين وسعوديين في الأشهر الأخيرة الماضية في العراق، الدولة التي تشترك في حدود مع البلدين وأصبحت تلعب دور الوسيط بينهم.
وفي ختام الجولة الخامسة من المفاوضات في أبريل الماضي، أعرب رئيس الوزراء العراقي مصطفى الكاظمي، عن قناعته بأن “التفاهم بات قريباً” بين الرياض وطهران.وفي يوليو، قال وزير الخارجية الإيراني، حسين أمير عبد اللهيان إن طهران أبلغت الرياض استعدادها لـ”مواصلة الحوار على المستوى السياسي” وفي 16 يوليو، قال وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان، إن المحادثات التي تمت حتى الآن بين السعودية وإيران يمكن وصفها بـ”الإيجابية”، لكنه أوضح أنها “لم تصل إلى النتائج المرجوة بعد”.
وشدد على إلتزام السعودية بـ”البحث عن تفاهمات مناسبة”، معرباً عن تطلعه “إلى أن يكون جيراننا في إيران بنفس هذه الروح
قالت إيران يوم الاثنين إن المحادثات مع السعودية مسألة منفصلة عن محادثات إحياء اتفاق طهران النووي لعام 2015، مضيفة أن التعاون بين طهران والرياض يمكن أن يساعد في استعادة الهدوء والأمن في الشرق الأوسط.
وعلى الجانب الأخر قال المتحدث باسم الخارجية الإيرانية ناصر كنعاني أن حوار طهران مع السعودية حتى الآن يتسم بالإيجابية، لكنه قال إن عملية إعادة العلاقات الدبلوماسية تحتاج إلى وقت ولا تتم بين يوم وليلة.
وأضاف المتحدث باسم الخارجية الإيرانية: “شهدنا خطوات إيجابية من الطرف السعودي ضمن الحوار، والأجواء في المنطقة إيجابية.

وقال المتحدث باسم الخارجية الإيرانية أن المحادثات مع السعودية مسألة منفصلة عن محادثات إحياء اتفاق طهران النووي لعام 2015.
وقال المتحدث باسم الخارجية الإيرانية أن التعاون بين طهران والرياض يمكن أن يساعد في استعادة الهدوء والأمن في الشرق الأوسط.
موقف سعودي معلن
وسبق أن أعربت السعودية على لسان وزير خارجيتها الأمير فيصل بن فرحان، عن أملها في مواصلة المحادثات مع إيران بهدف التوصل لخفض التصعيد في المنطقة.
وقال وزير الخارجية السعودي في تصريحات سابقة له نتطلع لجولة خامسة من المحادثات مع إيران رغم عدم إحراز تقدم جوهري في الجولات السابقة.
وأضاف الوزير خلال مشاركته في مؤتمر ميونخ للأمن: “هناك عدة أمور يمكن مناقشتها مع إيران إذا كان لديها رغبة في خفض التصعيد بالمنطقة”.
وقد عبر ولي العهد الأمير محمد بن سلمان في أخر لقاء تلفزيوني له، عن قابلية إعادة العلاقات و التعامل مع القيادة الإيرانية بما يعزز التعاون الذي يصب في في المصلحة العامة للإقليم، وإرساء الإستقرار في كلا الدولتين حيث صرح : “إيران دولة جارة ونطمح أن يكون لدينا معها علاقة جيدة”
علامة فارقة
وكانت الكويت والإمارات قد أعلنا إعادة سفرائهما إلى طهران مرة أخرى بعد قرابة قطيعة دامت لـ7 سنوات منذ سحبهم تمثيلهم الدبلوماسي في شهر يناير من عام 2016 على خلفية خلافات حادة مع إيران آنذاك، بعد اعتداء إيرانيين على السفارة السعودية والقنصلية في إيران، وبسبب التدخلات الإيرانية الا متناهية في شؤون الدول العربية والخليجية.

وأعلنت الخارجية الإماراتية أمس، إعادة سفيرها لدى طهران، سيف محمد الزعابي، خلال الأيام القادمة، موضحة أن هذه الخطوة تأتي، في إطار حرص قيادة دولة الإمارات، على تعزيز علاقاتها مع إيران، وتنفيذا لقرارها السابق برفع مستوى التمثيل الدبلوماسي إلى درجة سفير، وهو الأمر الذي قد لا يمكن أن نستشهد به وذلك العلاقات الإقتصادية التي لم تتغير على مدى عقود ولكن هي إشارة عابرة .
وكانت الكويت أيضاً قد أعادت سفيرها إلى طهران، في وقت سابق من أغسطس الجاري، وتم تقديم أوراق إعتماده لوزير الخارجية الإيراني حسين أمير عبداللهيان.
قد يهمكم الإطلاع على إغتيال إبنة المفكر الروسي ألكسندر دوغين، المهندس الروحي للسياسة روسيا وهويتها الحديثة
