إنها الساعة 2:30 صباحاً. في ضواحي مدينة الطائف التابعة لمكة المكرمة. في الوقت الذي كان فيه معظم السكان يستمتعون بنومهم الهانئ، كان مضمار السباق في نادي سباقات الخيل كخلية نحل تعج بالنشاط. حيث كان يتم قيادة عشرات الخيول العربية الأصيلة من أجل التدريبات الصباحية تحت الأضواء الكاشفة، بهدف الارتقاء بهم إلى الحالة المثلى من أجل المشاركة في سلسلة من السباقات المقبلة.
تقع مدينة الطائف على ارتفاع يقارب ألفي متر فوق سطح البحر، وتحيط بها الصحراء من كافة الجوانب. تمتاز الطائف بمناخها البارد في الشتاء والمعتدل في الصيف؛ مما يجعلها نقطة جذب للمهنيين والمتحمسين للخيول ومالكي الخيول، الفرسان، المدربين، ومجموعة من المحترفين الداعمين لهذه الرياضة وبالطبع هناك أيضاً المتابعون لها من جميع أنحاء المملكة والخليج والعالم.

خذ على سبيل المثال ألكسيس مورينو، أحد أقدم الفرسان في المملكة العربية السعودية، والذي ولد في المناطق الريفية في بنما وكان يمتطي الخيول منذ نعومة أظافره وتحديداً منذ تعلمه المشي. تمرّس ألكسيس في الفروسية في بلده الأم قبل أن يأتيه عرض بإدارة إسطبل الخيول الخاص بالأمير سلطان الكبير.
يصف مورينو جدوله اليومي المرهق. ” أستيقظ في الساعة 1:30 صباحاً، لأننا ندرب الخيول من الساعة 2:00 وحتى 5:00 صباحاً وذلك قبل شروق الشمس، فبعض الخيول يتشتت ذهنها بسبب أشعة الشمس، وقد تعاني من حرارة الشمس؛ مما يؤثر على أدائها، وحتى إن كنا في الطائف التي تشتهر بمناخها المعتدل. فيما بعد أتوجه إلى المنزل لأتناول طعام الإفطار وأنام حتى الساعة 1:30 بعد الظهر. وبعد تناول وجبة الغداء، أذهب إلى النادي الرياضي لأتمرن لمدة ساعتين، وأقوم بتمارين الكارديو بشكل خاص، لأنني أحتاج للحفاظ على وزني والبقاء نحيلاً. بعد ذلك، إن كان هناك سباقات، سأعود إلى المضمار. في واقع الأمر، أعمل 7 أيام في الأسبوع ولكنني أحب الخيول، لذا أستمتع بعملي كل يوم.
مثل ألكسيس، يستيقظ مدرب الخيول “بدن السبيعي” لممارسة رياضة الجري قبل الفجر. ويقوم بذلك مدفوعاً بشغفه لكل ما يتعلق بالفروسية. حيث يعمل في اسطبلات الملك عبد الله والأمير فيصل بن خالد ويدرب الآن خيوله الخاصة. ويقول عن ذلك “لطالما أحببت الخيول” ويضيف “تملك عائلتي العديد من الخيول، واعتدت الذهاب مع والدي إلى إسطبلات الخيول عندما كنت طفلاً”. لذا يبرز هنا السؤال، كيف يستطيع السبيعي تحويل حصان جيد إلى حصان بطل؟ يجيب “بدن السبيعي” عن ذلك بالقول “نأخذ الخيول الصغيرة ونعمل على تطوير طريقة تنفسها ونمو عضلاتها، هي عملية تدريجية تستغرق من حوالي أربعة إلى ستة أشهر”.

يضيف السبيعي بالقول “لا يمكننا أن ندفع الحصان للتمرين ونضعه تحت الضغوطات. ولكن يتم هذا الأمر من خلال جعل الحصان سعيداً وواثقاً ومسترخياً. هي علاقة نفسية وعاطفية مع الحصان. لذا أقوم دوماً بإراحة وملاطفة الحصان قبل السباق… وفي بعض الأحيان عندما يسمع الحصان صوتي خلال السباق، سيقوم ببذل الجهد الإضافي المطلوب من أجل تحقيق الفوز”.
يظهر من بعيد ديفيد رودجيرس رئيس الخيالة ومضمار الخيول في نادي الفروسية قاطعاً مضمار الخيول جيئةً وذهاباً على صهوة حصانه الأمريكي “كوارتر هورس”. يراقب هو وفريقه عن كثب جميع ما يجري في النادي، للتأكد من اتباع الجميع للقواعد والتعليمات. يقول ديفيد:”أضبط منبهي على الساعة الواحدة صباحاً تقريباً كل يوم، لأنه يجب أن أكون هنا على صهوة الحصان عند افتتاح المضمار للبدء بالتدريبات في الساعة 2:00 صباحاً”.
ويضيف “نتأكد أنا وفريقي من مراقبة كل شيء، وأن جميع الأمور تسير على نحو سليم. إن سقط أحد الفرسان وتأذى، نملك أجهزتنا اللاسلكية وسنقوم بالاتصال بالإسعاف، والتي ستلبي النداء دائماً” يمكن أن يستمر يوم العمل غالباً حتى نهاية السباقات في تمام الساعة 9:00 ليلاً.

نشأ رودجير في جنوب أوريغون، وتشبع هناك بثقافة الخيول المحلية، فقد كان يمتطي الخيول في المزارع، وينافس على صهوة حصان أميركي أصيل في السباقات. في نهاية حقبة التسعينات، كان رودجير مدرب خيول كامل الأهلية عندما اعتنق الإسلام وسافر إلى المملكة العربية السعودية لتعلم اللغة العربية.
يقول عن ذلك: “انضممت إلى برنامج لتعلم اللغة العربية، ثم بدأت بعض الإسطبلات الصغيرة بتوظيفي للمساعدة في تدريب خيولها، وعملت بجد معهم وصولاً إلى المرحلة التي كنت أدرب فيها الخيول في إسطبل الملك عبد الله” يضيف رودجر “لقد كان الملك عبد الله من أراد أن أبدأ برنامج تدريب الخيول مع نادي سباقات الخيل من أجل الحفاظ على سلامة الخيول والفرسان على أرضية المضمار”
في بعض الأحيان تتعرض تجهيزاتنا للكسر أو بعض الأضرار الأخرى. مثلاً قد ينقطع لجام الحصان. أو يقع الخيّال أو الفارس من على ظهر الحصان. فالإمساك بالحصان الشارد هو أمر مثير للغاية. لأنه يجب عليك أن تنطلق بسرعة مساوية لسرعته – وكما تعلم فهو حصان سباق في نهاية الأمر – ولهذا السبب فإننا نمتطي أحصنةً من نوع “كوارتر هورس” والتي يتم تربيتها للمشاركة في سباقات ربع ميل السريعة جداً.
لا يتم مراقبة الخيالة والمدربين فقط. ولكن يجب أن يخضع المضمار نفسه إلى صيانة على أعلى مستوى، وتقع هذه المسؤولية على عاتق “بوب بلاكبرن”، مشرف المضمار والذي انضم إلى نادي سباقات الخيل من بلده الأم أوكلاهوما. قد تعتقد بأن مضمار سباق الخيل مكون من حفنة من الرمال فقط، ولكن هذا المفهوم خاطئ تماماً.
يقول بلاكبيرن عن ذلك: “الرمل هو خليط من 3 أحجام مختلفة من جزيئات الرمل، ومواد عضوية مكونة من رقائق الخشب أو نشارة الخشب، وبعض الإضافات الطينية” ويضيف: “أجد بأن المملكة العربية السعودية ستقوم بإرساء معايير عالمية جديدة، فهم يقومون هنا ببناء مرافق أكبر وأفضل، ولقد تفوق مضمار سباق مدينة الرياض على أي شيء شاهدته منذ سنوات لما تملكه من سطح لطيف على أرجل الخيول كما تخضع الحلبة للصيانة الدورية بصورة دائمة”

بنهاية الفترة الصباحية، وعندما ينال المدربون والخيالة قسطاً من الراحة. تنشغل إدارة نادي سباقات الخيل بوضع الخطط والتجهيز لموسم الرياض القادم، والذي سيبدأ في منتصف شهر أكتوبر ويصل إلى الذروة مع انعقاد كأس السعودية بقيمة جوائز تبلغ 30.5 مليون دولار –يعد الآن السباق الأعلى قيمة في العالم – والذي يجري على حلبة سباق الخيول في منطقة الثمامة شمال العاصمة الرياض.
يقول مدير نادي سباقات الخيل سالم بن محفوظ الحاصل على شهادة في مجال علوم الخيل وخبرة عملية في تربية خيوله الخاصة بأن لديه مع زملائه العديد من الأولويات. ويضيف “تتمثل أولويتنا الأولى في صيانة وتقديم التحسين المستمر لمرافقنا. أما من ناحية استراتيجية، فإننا نقدم العون الدائم لمربي الخيول والمدربين العاملين معنا من خلال تحقيق أحلامهم المتمثلة بتنفيذ أفضل الممارسات العالمية في جميع المجالات المتعلقة بالخيول.
وعندما تأتينا خيول من خارج المملكة، فإن ذلك يضيف بعداً ديناميكياً جديداً للسباقات في المملكة العربية السعودية” ويضيف أيضاً “محلياً، نركز على منح الخيول التي يتم تربيتها محلياً التغذية والعناية الصحيحتين والتي تتوافق مع الأنظمة العالمية المعمول بها في مجال تدريب خيول السباقات. في النهاية، فإن جميع الخيول التي تم تربيتها داخل المملكة أو خارجها تنتمي إلى نفس الفصيلة الجينية الأصيلة”
بالفعل، فإن هناك العديد من فصائل الخيول الأصيلة في العالم – إن لم تكن جميعها – قد انحدرت من الحصان العربي الأصيل الأكثر شهرة، والذي تم جلبه إلى المملكة المتحدة من سورية من قبل السفير البريطاني في دمشق، توماس دارلي وكان ذلك حوالي العام 1700.

يكمل بن محفوظ حديثه إلى إسكواير “نتواصل أيضاً مع دول الجوار لمزامنة سباقات الخيول في جميع أنحاء دول مجلس التعاون الخليجي. نريد أن نمكن مالكي ومدربي الخيول من نقل أحصنتهم من بلد إلى آخر بأدنى حد من المعوقات والبيروقراطية، نريد تبسيط هذا الأمر، لذا لا يتم إجراء مسابقات الكؤوس الرئيسية في نفس اليوم. كما نريد وضع أنظمة وقواعد موحدة لذا، فإن تم على سبيل المثال خرق إحدى القواعد أو الأنظمة، فإن العقوبات ستكون متشابهة في جميع دول الخليج العربي – وليست إيقافا لمدة أسبوع في بلد وشهر في بلد آخر. يقود اليوم نادي سباقات الخيل المحادثات حول هذه الأنظمة والقوانين.
يضيف بن محفوظ “وأخيراً يستهدف نادي سباقات الخيل المملكة العربية السعودية لتكون إحدى الدول الرائدة في مجال سباقات الخيل جنباً إلى جنب مع المملكة المتحدة، إيرلندا والولايات المتحدة الأمريكية”
إلى جانب جميع الاعتبارات الفنية والتنظيمية، لن تحقق سباقات الخيل شيئاً دون الاعتناء بالجوانب الثقافية البراقة المرافقة لهذه الرياضة. لقد رأى صاحب السمو الملكي ولي العهد الأمير محمد بن سلمان الإمكانيات الكبرى التي يحملها كأس السعودية كمنصة تدعم وتنشر الإرث الثقافي للمملكة العربية السعودية، وذلك بدعم من وزارة الثقافة. وعند هذه النقطة قام صاحب السمو الملكي الأمير بندر بن خالد الفيصل رئيس مجلس إدارة نادي سباقات الخيل بدعوة صاحبة السمو الأميرة نورة بنت محمد الفيصل لتقديم المشورة للنادي في ضوء خبرتها كمصممة مجوهرات ومؤسسة لشركة أظلال وهي شركة اجتماعية تدعم قطاع التصميم السعودي.
تقول الأميرة نورة لإسكواير “لقد قدمنا قواعد خاصة باللباس، وهذا يعني بأننا قد شجعنا الأشخاص الذين ينحدرون من مختلف المناطق السعودية للقدوم بارتداء زيهم المحلي التقليدي. وهذا ما سلط الضوء على المنسوجات وفنون التطريز الجميلة من مختلف مناطق السعودية. كما كان لدينا أيضاً مطاعم مع لمسة من التغييرات المعاصرة للمطبخ السعودي التقليدي. وكان الحدث بمثابة معرض فني مفتوح لكل أنواع الحرفيين والفنانين:مثل مبدعي صناعة الخشب، الخطاطين، عازفي العود والرسامين”
إن جميع مساعي نادي سباقات الخيل تصب في صالح الخيول نفسها. يقول مورينو “يجب أن يكون هناك تفاهم بين الفارس والحصان، وعندما يتحقق هذا التفاهم والثقة، سيعطيك الحصان أكثر مما تتوقعه منه. إنه شيء سحري للغاية – بأن تمضيا وتتشاركان هذه المشاعر الجميلة معاً. لا يمكنني وصف تلك المشاعر بالكلمات.
“وعندما يحقق الحصان الفوز، فإنه يفهم ذلك، فهذه الحيوانات ذكية للغاية، هم يدركون فوزهم بالسباق حقاً”
اقرأ أيضاً: تفاصيل أغلى سباق خيل في العالم .. كأس السعودية
