فيلم فرحة الأردني الذي يروي حكاية سمعناها مراراً ومعانة شعب لمسناها و تأثرنا بها، هي قصة عن قوم هُجروا وقتلوا وسلبت أراضيهم بهمجة ووحشية لم يسبق لها مثيل في العصر الحديث، لكن منصة نيتفلكس أعطت فيلم أرضية مشاهدة واسعة.
القضية الفلسطينة بها مجلدات وبل مكتبات من القصص والمشاهد المأساوية التي تَعصر حشاشة القلب وتبث الغُبن والقهر من قسوتها في نفوس العرب والمسلمين خاصة، وأي الشخص الطبيعي سَوي،

بعد سقوط السلطنة العثمانية وإندحار نفوذها بعد الحرب العالمية الأولى، تم تقسيم تركة الشرق الاوسط على الدول المنتصرة في الحرب وكان من نصيب الإنجليز أرض فلسطين التي كان مجتمعها مفعم بالتطور الإقتصادي والثقافي والتعليمي حيث كان نسبة الأمية هي الاقل حينها في المنطقة، وكان الحلم بالإستقلال هو الأمل الطاغي على عقول العموم وبعد الحرب العالمية الثانية مع تقلص رقعة نفوذ الإحتلال البريطاني في الشرق، ورث الأرض التي لا يملكها للصهاينة بعد وعد بلفور المشؤوم وهنا بدأت الهجرة اليهودية من دول العالم ومع تزايد الأعداد بدأ الكوارث المرتكبة بحق الشعب الفلسطيني
تخيلوا مشهد فتاتين صغيرتين في إحدى القرى الفلسطينية يتأرجحون على أرجوحة معلقة في شجرة في أرض خضراء جبلية جميلة ويتكلموا في مواضيع طفولية لطيفة يتمازحون ويتضاحكون وتحيطهم جماليات وسكون المحيط الذي غذى بداخلهم أحلام بريئة لا تتعدى إستكمال الدراسة خارج القرية، ليعكنن صوفوهم مدرعات وسيارات الجيش البريطاني وهم خارجين و يجري ورائهم الأطفال راميين الحجارة يصرخون غاضين فرحين ظناً منهم بإنقشاع غمامة الإحتلال أخيراً ولكن الواقع تهيئة الإنجليز بخروجهم للعصابات اليهودية لجرف القرى والمدن الفلسطينية وتطهيرها عرقياً.

فيلم فرحة هو التجربة الإخراجية الاولى للمخرجة دارين سلامة في الأفلام الروائية الطويلة، أصل القصة سمعتها دارين من والدتها نقلاً عن صديقتها رضية (فرحة) صاحبة الرواية التي تركت الأثر العميق في نفس المخرجة حتى ترجمتها في نهاية الأمر للشاشة، بشكل لا ينتقص من روح المعاناة التي خاضها مئات الألاف من الفلسطنيين في النكبة، ولكن قالت دارين بأن الفيلم تطور حيث أن أن الإطار السينمائي يطلب بعض التعديلات في الحوار والشخصيات حيث كانت بطلة الفيلم كرم طاهر مخطوبة في إحدى نسخ السيناريوا في مرحلة التطوير، ومن أبطال الفيلم وأشرف برهوم الأب (المختار) وعلي سليمان وآخرين، وهو من تأليف دارين سلامة بالاشتراك مع منتجته ديما عزار،

الفيلم لاقى الكثير الإشادات على مستوى النقاد والمهرجانات العالمية مثل مهرجان ترونتو السينمائي وتم دعمه إنتاجياً من مهرجان البحر الأحمر بجانب عدة جهات عالمية إخرى، كما حصدت مخرجة الفيلم على جائزتين في مهرجان دبي السينمائي الدولي عن نص سيناريو الفيلم، وجائزة وزارة الداخلية الإماراتية للسينما عن أفضل سيناريو مجتمعي، وفي كل عرض له بالمهرجانات كان تذرف أعين الجماهير لمدى واقعية دموية المشاهد، وأداء الممثلة الصغيرة كرم طاهر التي ترجمت المشاعر بصدق من الخوف والرعب والفقدان والصدمة والحاجة للنجاة والقوة، والإقتراب من الإنهيار النفسي، إنه كرم سيكون لها مستقبل فني باهر، مقدم للترجح لجوائز الأوسكار 2023 في فئة الأفلام الدولية ويُظن بأنه سيتم قبوله ومنافسته

وتدور قصة الفيلم حول فتاة فلسطينية تبلغ من العمر 14 سنة، تعيش مع والدها مختار القرية في بيئة مستقرة وكل الذي تتمناه هو أن تكمل دراستها ولا تتبع خطى صديقاتها الذين وصلوا لمنتهى الزواج المبكر كما كانت العادة في ذلك الزمان،وهو مصير كل فتاة بلغت وإنتهت بعد أن أكملوا تعليمهم وحفظهم للقران في (الكُتاب)، بل كانت تأمل بأن تنسج واقعها الأكاديمي حالمةً بأن تدرس خارج قريتها قاصدة المدينة لتُكمل مسيرتها العلمية ثم تعود من المدينة لتفتتح أول مدرسة بنات في قريتها،
نرى ضمن الربع الأول من الفيلم محاولات إقناعها لوالدها لتسجيلها بالمدرسة وقبل إتنهاء فترة التسجيل الموضوعة، وبالفعل يفاجؤها أبيها بورقة التسجيل لتغمرها السعادة ولكن لم بتعدى الأمر هذه الورقة حيث أن في اليوم التالي من هذا الخبر يهب إعصار همجي مريض يقلب تلك الحياة الهادئة وبصادر أحلامها المشروعة، بحدوث نكبة عام 1948، وتغدو قريتها الساكنة لجحيم يملئه الرصاص والصواريخ،
حينها يحاول المختار أن بهرها خارج القرية لكن الفتاة لا تترك ابيها وحيدا حينها يحمل والدها سلاحه لمقاومة العصابات الصهيونية، ويحبس كرم طاهر “فرحة” داخل غرفة مظلمة تُستخدم لتخزين الطعام ابنته خوفاً عليها من جنود الاحتلال، ومن داخل هناك ثقب صغير تشهد من خلاله فرحة مشاهد التنكيل والقتل والهمجية المريضة التي لا تفرق بين أحد، حيث تشاهد أحداثاً مخيفة ومجازر حدثت على أرض الواقع لا يمكن توصيفها الصحيح بالكلمات، بدءاً من ولادة أمام أعينها طفل رضيع لعائلة هاربة تحتمي بمنزلها، إلى قتل الرضيع الذي وُلد للتو بجانب عائلته التي تحتوي على طفلين أخرين رمياً برصاص بمشهد يجسد التطهير العرقي الدموي المريض منزوع الإنسانية الذي يجيش مشاعر ويحرق قلب كل مسلم وعربي، المجموعة التي إقترف القتل والتهجير الأكبر بحق الشعب الفلسطيني هم العصابات الهاجانا وهي جماعات صهيونية شبه منظمة تملك العتاد المتطور من سلاح وذخيرة، والتدريب على أيادي الجيش البريطاني وبل الكثير منهم شارك في الحرب العالمية الثانية، وما فعلته هذه العصابة ويُمثل أقسى المشاهد همجية ودموية على الإطلاق لتتحول حياة الفتاة الحالمة إلى كابوس لا يمكن إستيعابه ومن الصدمة التي تركتها بلا أب ولا وطن تغيرت أفكارها ومستقبلها الذي كانت تحلم به، لتبقى هذه الصور راسخة في ذاكرتها الى الأبد بالرغم من نجاتها من مذابح النكبة.
ردود الأفعال الصهيونية
كيف يمكنك أن تحور وتزيف التاريخ الحديث وهو مازال حياً في أذهان الأجيال المتعاقبة، هذا ما تحاول دعاية الإحتلال بكل أياديها عمله، ولكن مواقفهم لا تتعدى كونها صياحاً يلاقيه إستعجاب من مدى الوقاحة فيه،وبسبب ذلك شكى فريق عمل (فرحة) الذي رشحه الأردن للمنافسة على جائزة أوسكار كأفضل فيلم دولي من “هجوم إسرائيلي من قبل الحكومة والإعلام والأفراد على الفيلم وصناعه”.
قالت دارين سلام مخرجة ومؤلفة الفيلم والمنتجتان ديمة عازر وآية جردانه في بيان: “نحن فريق الفيلم ندين كل الاتهامات لتشويه سمعة ‘فرحة‘ وندين الحملة المنظمة ضد الفيلم، وندين أيضا رسائل الكراهية والمضايقات والاتهامات والتنمر من قبل إسرائيليين والتي استهدفت مخرجة الفيلم على منصات التواصل الاجتماعي وعلى وسائل التواصل الأخرى”.
قد يهمك الإطلاع على فيلم The Swimmers يستعرض قصة السباحتين سارة ويسرا مارديني ورحلتهما الملهمة من سوريا إلى الأولمبياد
