إعداد أحمد الماجد – في تمام الساعة الخامسة والنصف صباحًا، تفتح أبواب المقهى السعودي أدب الزرقاء، بينما لا تزال المدينة نصف نائمة. لن تجد إلا لقاءً نادرًا بين المبكر المتحمّس والليلي المشتّت في هذا الوقت. السماء مغطّاة بدرجة رمادية هادئة، لا تزال تتردّد بين أن تصبح زرقاء أو تبقى ملبّدة بالغيوم والغبار. في الداخل، يصبّ الضوء الدّافئ على أرضية متقوّعة ببلاط على الطراز الأندلسي. الجوّ هادئ لكن دون صمت؛ يسمع صوت تحريك الكراسي، هدير ماكينة الإسبريسو الميكانيكية وفيروز تغنّي “كيفك إنت” بخفوتٍ، كسرٍ همس يبشّر ببداية اليوم.
على الجدار الخلفي، تعرض مجموعة من الصور الفوتوغرافية بالأبيض والأسود لمفكّرين وكتّاب عرب وسعوديين مثل غازي القصيبي وطه حسين وآخرين. أسفل الصور، تقبع حقائب جوّالة قديمة وراديوهات أثرية كآثار فكرية. تمتزج منطقة الجلوس بأرائك صفراء خردلية اللون وطاولات خشبية مستعادة من براميل، لتشعر وكأنك في صالون قراءة أكثر من كونه مقهى؛ فضاء تخمّر فيه الأفكار جنبًا إلى جنب مع القهوة.

يقف الباريستا مرتدياً مئزرًا كحليًا وقميصًا أبيض، يزن حبوب القهوة بدقّة. كل حركة منه تتقاطع بين الحِرفة والرقص المدروس. أجلس بالقرب من النافذة، أرتشف قهوة تزهر نكهاتها الزهرية حتى تكاد تبدو من نسج الخيال. يخطر لي حينها أن هذا المشهد كان ليبدو من نسج الخيال في الرياض قبل عقدٍ من الزمن، ليس بسبب القهوة، بل بسبب الفضاء ذاته: غير متعجّل، غير مفصول ومصمّم بعناية.
في المملكة اليوم، لا يكمن جوهر التحوّل في نوع القهوة التي نرتشفها، بل في الكيفية التي نحتسيها بها، في المكان والرفقة. أصبح المقهى العصري مرآة دقيقة تعكس التحوّل الثقافي والاجتماعي في البلاد: فضاءً هادئًا منتقى بعناية تتقاطع فيه ملامح الهوية الجديدة بين الثقافة، التجارة والحوار. قبل سنواتٍ معدودة، كانت الحياة العامة تتّسم بالفصل الصارم، الإيقاع السريع والحضور المتحفّظ. أما الآن، في فضاءات مثل أدب، نشهد تفتّحًا هادئًا لأنماط جديدة من العيش: مزيد من الرهافة، السكينة والذائقة الحسية. المفارقة اللافتة أن كل هذا التحوّل بدأ بفنجانٍ من القهوة…
القهوة: النكهة الأولى للانتماء
قبل ظهور الـV60 والـAeroPress، بل حتى قبل وصول ماكينة الإسبريسو إلى الرياض، كانت القهوة العربية حاضرة. تحضّر في دلالٍ طويلة الأعناق وتقدّم في فناجين صغيرة، وكانت ولا تزال أوّل وأعمق تعبير عن الكرم السعودي. هي دعوة وإلحاح في آنٍ معًا: تفضل، اجلس، كن حاضرًا.
تحضير القهوة طقس يجمع بين الحميمية والأداء. مزيج دقيق من حبوب محمّصة بخفّة مع الهيل وأحيانًا القرنفل أو الزعفران، يسكب ببطء في فنجان الضيف. إنها لغة، آداب ووسيلة لتنظيم الزمن.
فبينما توحي طقوس القهوة الغربية بالعزلة أو العجلة، تمثّل القهوة العربية حضورًا خالصًا. لا تُشرب لتغادر، بل لتبقى. ربما كانت القهوة أول “مكان ثالث” في السعودية، قبل أن تصاغ هذه التسمية وهي ممارسة ثقافية راسخة نقض الحواجز بين الخاص والعام وتذيب الفواصل بين البيت والمجتمع.

الموجة الثانية الضائعة: مقاهٍ تجارية بلا روح ثقافية
لقرون، كانت القهوة مشروبًا أساسيًا في كافّة الحضارات. تروي الأسطورة أن أصولها تعود إلى القرن التاسع في إثيوبيا، حين لاحظ راعي يدعى كلدي أن ماشيته أصبحت أكثر نشاطًا بعد تناولها حبوب البن. أما في الجزيرة العربية، فقد ترسّخ مفهوم القهوة مبكرًا. بحلول القرن الخامس عشر، كانت تزرع ويتاجر بها في اليمن، حيث استخدمها المتصوفة للبقاء متيقظين أثناء الصلاة. من هناك، انتقلت إلى مكة والقاهرة وإسطنبول، ثم إلى أوروبا في القرن السابع عشر. رغم الجدل القائم حول منشئها، تبقى حقيقة واحدة غير قابلة للنقاش: القهوة كانت محور الحياة الاجتماعية العربية قبل أن تنشأ ثقافة المقاهي الأوروبية بقرون.
مع ذلك، تأخّر العالم العربي والسعودية على وجه الخصوص، بالإلتحاق برَكب حركة القهوة الحديثة التي غالبًا ما تصنّف ضمن ثلاث موجات. خلال الموجة الأولى (1800 – 1970)، اعتبرت القهوة سلعة تنتَج بكميات ضخمة مثل Folgers وMaxwell House، فيما كانت السعودية آنذاك تركّز على بناء الدولة وتأسيس مؤسساتها. بقيت القهوة حاضرة، لكن على هامش الثقافة التقليدية للمشروبات في المملكة.
أما في الموجة الثانية، الممتدة من السبعينيّات حتى أوائل الألفية، حين أعيد تخيّل القهوة كتجربة حسّية متكاملة من خلال Starbucks، نكهات الكراميل والهويات التسويقية الدافئة، فقد ظلّت السعودية، مرةً أخرى على الهامش. برزت سلاسل المقاهي، لكنها افتقرت إلى الروح الثقافية. تحوّلت إلى فقاعات مكيّفة داخل المجمّعات التجارية، تؤدي وظيفة أكثر مما تخلق تجربة. مفروشات بطابع تجاري، موسيقى بلا هوية وقهوة محلاة تفوق أصالتها. كانت ثورة في الراحة، لا في الثقافة. رغم انتشار هذه المقاهي وتقبّلها، إلا أنها لم تنجح في الترسّخ داخل المخيلة المحلية.

المملكة في طليعة الموجة الثالثة
في الموجة الثالثة من ثقافة القهوة، لم تكن السعودية مجرد تابع، بل تقدّمت بخطى واثقة وتجاوزت التوقعات.
لم يكتفِ مشهد القهوة المختصة في المملكة باستيراد المعايير العالمية، بل أعاد صياغتها بلمسةٍ سعودية. أخذ روّاد محليون مثل Camel Step، Brew92، وElixir Bunn لغة الحِرَفية في تحضير القهوة وأضفوا عليها طابعًا سعوديًّا مميزًا: انتقاء دقيق للمصدر، تصميم راقٍ وإجلال راسخ لطقس الشرب الجماعي.
بدأ الباريستا السعوديون بالتدرّب خارج البلاد ولم تعد الحبوب تنتقى بناءً على منشئها فقط، بل لارتفاع مزرعتها، طريقة معالجتها والقصّة التي ترويها. تحوّلت المقاهي إلى فضاءات تصميمية، بخطوط صارمة وبلاط مرصوف يدويًا يجسّد تناغمًا دقيقًا بين حداثة الرياض وجذورها النجدية.
من مراكز التجارة في جدة والدمام، إلى واحة العلا العريقة وقلب العاصمة النابض، باتت المقاهي السعودية تضاهي نظيراتها في ملبورن وكوبنهاغن، لا بالتقليد، بل بالأصالة. هي ليست محاولة متأخرة لمحاكاة الذوق العالمي، بل مركز جديد لإنتاجه.
وجدت الموجة الثالثة حاضنتها بين محترفي التحميص، روّاد الأعمال الطامحين للتميّز والعلامات المحلية الصاعدة بطموحات وطنية. لكن الأهم من ذلك، أنها حظيت باحتضان الجمهور السعودي؛ السعوديون يتذوّقون قهوتهم والمقاهي تغصّ بالمحترفين مع ساعات الفجر الأولى، تزدحم بالأصدقاء في المساء وتفيض بالحركة بعد صلاة الجمعة.
في إحدى أيام الجمعة الأخيرة في الخبر، اصطحبني والدي مع إخوتي الثلاثة لتناول القهوة عقب صلاة الجمعة وتوقفنا عند WACAFE، السلسلة المحلية المعروفة بكعكها الحساوي الفريد. توقّعت أن يكون المكان هادئًا، لكن الواقع خالف توقعاتي، إذ كان المكان المؤلّف من طابقين يعجّ بالمرتادين. بعد أن أحضرت ثلاث أكواب كابتشينو بالشوفان وكوبًا ساخنًا ملتهبًا لوالدي، عدت إلى طاولتنا ووجدت إلى يميننا متقاعدين يملؤون المكان بالضحكات والبهجة، إلى يسارنا مجموعة من الشابات الأنيقات يلتقطن صور السيلفي وأمامنا عائلة شابة تتشارك الحلوى.
في أي مقهى، قد تصادف رجل أعمال يرتدي بزّة أنيقة، أو زبونًا معتادًا بعد التمرين، أو رجلاً مرتديًا الثوب الأبيض وحذاءً رياضيًا ناصع البياض، أو نساء بعبايات عصرية يطلُبن قهوة V60 مثلجة. أخبرني أحد الباريستا أن أكثر الحبوب طلبًا كانت من كولومبيا، لكنه أضاف بأن الحبوب السعودية تشهد صعودًا قويًا. لم تعد هذه الأماكن مجرد محلات، بل تحوّلت إلى مسارح حيّة ينبض فيها المشهد الثقافي.
حتى أدب، بكل ما يحمله من داخل متأنٍ وجوٍّ منتقى بعناية، لم يكن بقدر ازدحام بعض العلامات السعودية الأوسع شهرةً. صحيح أن الحركة فيه كانت منتظمة، لكن في الأسواق التنافسية المحتدمة اليوم، أصبح عدد الزوّار مرهونًا بالولاء للعلامة وانتشارها على تيك توك، بقدر ما هو مرتبطًا بجودة الحبوب. مع ازدهار ثقافة تحضير القهوة المنزلية وتكاثر مقاهي التجزئة، بات التفرّد تحدّيًا متزايدًا.
المقهى كمجلسٍ جديد
حلّت المقهى اليوم في المملكة، مكان المجلس من حيث الوظيفة والشكل. فهي أماكن يجتمع فيها الأصدقاء، تطرح فيها أفكار عروض الأعمال، تحسم الخلافات، يلتقي فيها العشّاق للمرّة الأولى ويعمل الطلاب بصمتٍ. هو فضاء ينحو نحو المرونة في قواعد الحياة العامة والخاصة.
كان المجلس مقيّدًا بالتقاليد والأدوار الجندرية، ليبقى المقهى فضاءً متحررًا. هنا يمكنك أن تكون طموحًا بوضوح، أنيقًا، منطويًا أو رومانسيًا؛ فالمقهى يمنح مجالًا للتعددية.
فالأهم من ذلك، أنه يقدّم نوعًا من الغموض والخصوصية وهي قيمة ثمينة في ثقافة كانت تراقب نفسها عن كثب.
إزدهار الأعمال: الاندفاع السعودي الجديد نحو الريادة والابتكار
تحت عبق الإسبريسو وحبوب القهوة ذات النفحات الحمضية يكمن أمر أعمق: ثورة ريادية في عالم الأعمال. لم تعد المقاهي في السعودية مجرّد هوايات أو مشاريع جانبية، بل أصبحت ساحات معارك للأعمال الجادة والأنيقة.
نجح Camel Step في التوسّع بانضباط من خلال افتتاح متاجر مفاهيمية ودمج التصميم المحلي. ما بدأ كمحمصة متخصصة ضيّقة النطاق، نما ليصبح قوّةً وطنية يحتذى بها، ربما أول علامة سعودية متخصصة بالقهوة تحمل طموحًا دوليًا. تتوزّع فروعه عبر البلاد، كل منها مصمّم بدقّةٍ متناهية. إلا أن لا شيء يشبه فرع حائل، حيث يتحوّل المكان إلى ميزة معمارية تجمع بين بساطة ألوان الرمال وإعادة إحياء التراث المحلي، مزيج يعبّر عن حداثة الرياض وجذورها النجدية. تمكّن Camel Step من بلوغ ما يتقنه نادرًا الآخرون: أن يجمع بين مكانة العلامة ورمزيتها، محافظًا على ثبات قيمه ومتجذّرًا بعمق في خصوصية كل موقع، متألقًا في عالم التجارة ومتقن بفن الحرفية.
بدوره، يمثّل Jazeen رهان الدولة على تحويل القهوة إلى رأس مال ثقافي. بدعم من صندوق الاستثمارات العامة، لا يقتصر على بيع الحبوب فقط، بل يصنع قصة متكاملة. تركز هذه العلامة على ترويج حبوب منطقة جازان عبر دمج الزراعة، السرد القصصي وطموحات التصدير. قمت بشراء صناديق الهدايا لعدّة مرّات، المصحوبة بأكواب مخصصة، حبوب محمصة محليًا وأدلة تذوق باللغتين العربية والإنجليزية وقدمتها كهدية لأصدقائي في الخارج، الذين بدورهم ما زالوا يطلبون منها بعد أشهرٍ. ينجح Jazeen في تحقيق ما ندر أن تنجح فيه المبادرات ذات صلة بالحكومة: ابتكار منتج يحظى بحب الناس وإعجابهم الصادق.
لا يمثل مسار يوسف البسام مثالًا أفضل على تسارع تبني الموجة الثالثة من ثقافة القهوة في السعودية. بدأت قصته عام 2009 بفكرة تجارية خلال عامه الأول في جامعة الملك فهد للبترول والمعادن، وتحوّلت اليوم إلى مؤسسة متكاملة تمتد من التوريد إلى التحميص والبيع بالتجزئة.
لم ينطلق يوسف من شغف بالقهوة بحد ذاتها، بل من شغف ريادي؛ رغبة في بناء مشروع ناجح وذو مغزى يصمد أمام اختبار الزمن. “منذ الصف الثامن، كنت أجرب، أتعلم وغالبًا ما أفشل في مشاريع تجارية”، يقول يوسف. بينما سافر أقرانه في العام 2009 للدراسة في الخارج، قرّر البقاء في السعودية بهدف تأسيس مشروعٍ محلي، يستغل فجوة في السوق حينها، حيث لم تكن القهوة المتخصصة موجودة ولا البنية التحتية الداعمة لها. سافر إلى الولايات المتحدة ليتعلم التحميص، واستغرق أشهرًا في تسجيل شركته الأولى، لكنه عاد إلى سوق لم يكن جاهزًا بعد.
“كنت أطرح على الزبائن سؤالًا عن مصدر حبوبهم، فيجيبون ساخرين: من القمر، في دلالة فاقعة على مدى انقطاع الوعي بسلسلة التوريد آنذاك”. في مواجهة تكاليف مرتفعة، وعي محدود وصفقات مهنية لم تكتمل، كانت سنواته الأولى مليئة بالتحدّيات، التغيّرات المؤلمة والقرارات الصعبة للحفاظ على استمرارية مشروعه. جاءت نقطة التحوّل في العام 2015، حين ساعد في دخول Café Imports، أحد أكبر موردي القهوة الخضراء في الولايات المتحدة، إلى السعودية. لم يقتصر دوره على استيراد الحبوب، بل عمل على تثقيف السوق.
مع حلول عامي 2015 و2016، وبينما بدأت المقاهي المتخصصة تزدهر في الرياض، جدة والخبر، أعاد تركيزه بالكامل إلى الموجة الثالثة، بعدما أدرك السوق أخيرًا ما كان قد أسّسه مسبقًا. شهد مشروعه حينها ازدهارًا ملحوظًا، إذ بيعت إحدى شحناته كاملة وهي لا تزال في عرض البحر. شرع الفريق بتنظيم رحلات سنوية إلى دول مثل البرازيل وكوستاريكا، لتعريف العملاء بسير الحبوب وقصص منشأها. كما يوضح: “نحن لا نبيع قهوة فحسب، بل نقدّم محتوى، جودة وروابط أصيلة”.
بعد جائحة كورونا، شهد السوق ازدهارًا وانقسامًا؛ فقد هيمنت المقاهي الحيّوية، وازدهرت ثقافة التحضير المنزلي. عبر مجموعة The Coffee Group، تصدّر شركات يوسف مثل Kafa وBunista إلى الخليج مع تركيزٍ حاد على التوريد، التعليم والجودة القائمة على السرد القصصي.
يقول يوسف: “الانفتاح يولّد المعرفة، وخلال الأعوام القليلة الماضية، أصبح السعوديون على تماسّ كثيف مع أصول القهوة من شتى بقاع العالم”. أفضى هذا الانكشاف إلى نشوء ذائقة محلية متخصّصة، آخذة في النضج والتمايز على نحو متسارع.
يؤسّس الشباب اليوم محامص صغيرة، معدّات تحضير متنقلة، منصات للقهوة والأدوات ومدارس للباريستا. على عكس الأجيال السابقة، يقود هؤلاء رواد الأعمال شغف المنتج والمعنى، لا الربح فقط. إنه الطعم هو من يحسم البيع، لا الوساطات. هنا تتجلّى ملامح التحوّل الاقتصادي في السعودية: حيث باتت القهوة نظامًا بيئيًا متكاملًا، لا مجرّد منتج استهلاكي عابر.
الذوق كهوية والتصميم كقوة ناعمة
هوية سعودية جديدة تخمَّر مع كل فنجان قهوة. فهذه الأماكن لم تعد مجرّد مقاهٍ، بل منصات للذوق، الأسلوب والتوجّه الواعي. الألوان هادئة، الهوية البصرية مبسّطة والأثاث في كثير من الأحيان مصنوع يدويًا.
للتصميم هنا دلالة أبعد من الجمال، إذ يعكس منظومة من القيم: الاتزان، الجودة والحضور. ففي منطقة كثيرًا ما يختزل تصويرها في البذخ والمبالغة، يأتي المقهى السعودي الجديد بلغةٍ أكثر هدوءًا، تنطق بالتنقيح والنيّة المدروسة.
حتى ملامح الرجولة تعاد صياغتها في هذه المساحة؛ فالشاب السعودي، الذي اعتاد أن يعبّر عن ثقته من خلال صوته المرتفع، بات يظهرها اليوم عبر التفاصيل: كيف تسحب الجرعة، كيف يمسك المكبس وكيف يمسح سطح الطاولة.
فنجان أخير: السكون في مدينة لا تهدأ
في أدب، بدأت الشمس تتسلل إلى السماء. روّاد الفجر من أهل المدينة يملؤون المقهى ببطء: مهندس معماري يراجع رسومات، طالبان يتبادلان الهمس أمام حاسوب مشترك وامرأة تعتمر عباية بلون الياسمين تجلس أمام رزم من الدفاتر.
يسكب الباريستا فنجانًا آخر بنفس العناية التي منحها لأوّل فنجان عند الفجر… وتيرة الزمن تمضي، لكن الإيقاع لا يعرف الاستعجال.
في هذه اللحظة بالذات، بين رشفات القهوة وبين لحظات الصمت، تغدو ملامح التحوّل السعودي أكثر وضوحًا. ليس في المشاريع العملاقة أو عناوين الأخبار العالمية، بل في هذا الحضور البسيط والثابت لبلد يتعلّم كيف يجلس مع ذاته.