Mont Blanc and Esquire Saudi Arabia present (excerpts) literary selections highlighting the best fictional and non-fiction stories by Saudi writers.
مفهوم المقتطفات: نحن جميعًا روائيون بطريقة ما. هذا جزء أساسي من كيفية تواصلنا كمجتمعات – كبيرة وصغيرة. هذا ما تتعلق به المختارات: لإقراض منصة Esquire التاريخية لجيل جديد من كتاب القصص القصيرة، والدفاع عن فن الكلمة المكتوبة. ستبرز كل عدد قصة قصيرة كتبها كاتب محلي، مما يمنحهم الفرصة لاتخاذ أول خطوة في سرد قصصهم، والتعبير عن أنفسهم وتحقيق إمكاناتهم. سيكون من حق الامتياز لـ Esquire السعودية مشاركته.
*****
كان الوقت يقترب من منتصق الليل عندما كنت أقود سيارتي وسط رياح ثلجية تملأ الظلام الدامس. كان الطريق المغطى بطبقة من الثلج الأبيض يشعر بالبرودة، والمنحدرات التي أمر من فوقها تعكس طبيعة تلك المنطقة الجبلية. درجة الحرارة في شاشة السيارة تشير إلى إثنتي عشر درجة تحت الصفر، بينما كان إنعكاس ضوء سيارتي على الأشجار المصطفة على جنبات الطريق ينبئ بأنني أقطع غابة كبيرة. كان كل شي يوحي بالهيبة والجمال، إنها عظمة الطبيعة، إنها منطقة لابلاند السويدية!
لم أكن لأقو على الانتظار حتى صباح الغد لاستكشاف المكان حولي، إلا أن الإجهاد تملكني حتى غصت في نوم عميق في نُزل في منطقة آبيسكو التي وصلت إليها من مطار بلدة كيرونا. استيقظت باكراً لأجد أن شيئاً كالسحر قد حل بالمكان، فلقد تبدل السواد الذي غلف المكان البارحة ببياض ناصع.! كان المنظر مذهلاً، وشعرت بأن المكان يحدثني عن المغامرة التي تنتظرني في قادم الأيام.
لابلاند منطقة شاسعة تتقاسمها أربعة دول، وتقع أجزاء واسعة منها في السويد، وفضلاً عن كون المنطقة تمثل حافة كوكبنا من الشمال، فهي منطقة ذات طبيعة وجغرافيا فريدة، وتملك إرثاً حضارياً مميزاً.
أشارت الساعة إلى الثامنة صباحاً، فتوجهت إلى بوابة النزل لألتقي بمجموعة من الشبان كنا قد حجزنا سوياً رحلة تسلق جليدي. لم يمر الكثير من الوقت حتى تقدم إلينا شاب سويدي عرف بنفسه بأنه دليلنا لذلك اليوم، وأخذ يحدثنا عن المغامرة المنتظرة، ما زاد حماسي. لبسنا الخوذات والأحذية الثلجية وتوجهنا مشياً نحو وادٍ قريب. قطعنا ممرات صغيرة بين الأشجار العارية، وسرنا بمحاذاة جرف حجري صغير يطل على نهر متجمد، كان عبارة عن طبقة من الثلج لا تكاد تتميز عن غيرها، ولولا وضوح مسار النهر الذي يخترق التلال الصخرية وسماع خرير المياه من بعض جنباته غير المتجمدة لما صدقت أن تياراً من المياه يسير من تحت تلك الطبقات البيضاء التي أقف عليها! انتصبت وسط ذلك النهر ورحت أستشعر جمال الطبيعة.
صاح بنا الدليل، فتقدمت إليه مع بقية الشبان، وقال بعد أن لاحظ ذهولنا بالمكان :»لم تروا شيئاً مذهلاً بعد!» ثم انعطفنا نحو إحدى مسارات النهر المتجمد، ليظهر أمامنا شلال ضخم متجمد تتلون المياه فيه بلون الكريستال. توقفنا أمامه مشدوهين بالمنظر. سألت الدليل وكلي حماسة: « هل سنتسلق هذا الشلال؟!»
فأجاب ضاحكاً: «ربما بعد سنوات، تسلق هذا الشلال سيكون في غاية الصعوبة، لكن بإمكانكم تسلق شلال أصغر يقع في الجوار، صدقوني فلن يقلل ذلك من الإثارة!»
وبالفعل، توجهنا نحو إحدى مسارات النهر الجانبية، حتى وصلنا إلى شلال شبيه بذلك الذي رأيناه لكنه أقل حجماً منه. توقف الدليل ليجهز عدة التسلق من حبال وأدوات ثم أخذنا نتسلق الشلال منفردين على أدوار. ترددت قليلاً حين حان دوري، فلم يسبق لي أن جربت التسلق. ربطت الحبال حول خصري ومسكت معولين صغيرين في يدي ثم سددت أول ضربة دقيقة في جوف الشلال حتى أتكئ عليها. كررت العملية عدة مرات رافعاً جسدي نحو الأعلى حتى وصلت منتصف الشلال. كان تشجيع رفقاء الرحلة يحفزني على المضي قدماً. تأملت المكان حولي من الأعلى، وتخيلت منظر الشلال في الصيف، وأن هذا الشلال الذي ثبّت نفسي في وسطه سيغدو مياه جارية خلال أشهر.

أكملت صعودي حتى قررت النزول عبر التشبث بحبل معلق من أعلى الشلال. كانت مغامرة نهارية مختلفة ما وددتُ أنها انقضت. وضبنا أمتعتنا الخفيفة ثم قفلنا عائدين إلى نقطة انطلاقنا. قضيت بعدها ليلة هادئة تناولت فيها على العشاء قطعة من لحم غزال الرنة، وهو غزال جبلي كبير يعيش في تلك البقاع الباردة. تلذذت بطعمه الطيب وقررت بألا تخلو وجبات العشاء منه طالما كنت في لابلاند.
استيقظت باكراً، وعزمت على التجول في السيارة في آبيسكو والمناطق المجاورة لأمتع نظري بجمال الطبيعة. اتجهت غرباً صوب حدود النرويج، ومررتُ ببحيرة تورنيتراسك الضخمة المتجمدة، و ببعض القرى الصغيرة المتناثرة التي بدت وكأنها خاوية، وبالمنتجعات الكبيرة التي يؤمها السياح.
بعد نحو ثلاث ساعات مرت وكأنها دقائق قررت العودة إلى النُزل لأقضي بعض الوقت قبل موعد الرحلة، رحلة تصوير الشفق القطبي !
الشفق القطبي، أو الأوروا، هو مزيج من الألوان الساطعة، غالباً ما تكون خضراء، تتشكل في السماء على شكل أمواج قرب الدائرة القطبية. وهي من الظواهر الكونية شديدة الجمال، وتتكون نتيجة اصطدام جزيئات مشحونة شديدة السرعة مصدرها الشمس بذرات الهواء في طبقات الجو العليا. وهي في حقيقتها ضارة فيما لو توجهت لمركز الأرض، لكن الرياح الشمسية تتكفل بتوجيهها بعيداً1. لا يمكن مشاهدة تلك الظاهرة العجيبة إلا في أمكان محدودة حول العالم منها منطقة آبيسكو في لابلاند السويد.
بعد حلول الظلام وتناول طعام العشاء، اتجهت صوب نقطة الالتقاء لألتحق بالمجموعة. تقدم إلينا رجل وأخبرنا بأنه سيكون مرشدنا لهذه الليلة. وضع وأصحابه نحو خمسة عشر كاميرا حديثة، وأخذ يشرح لنا طريقة استخدامها لالتقاط صور جيدة للشفق القطبي. بعدها لبسنا بعض الملابس الثقيلة وحمل كل منا حقيبة معداته وكاميرته واتجهنا إلى الخارج.
سرنا في الظلام متتبعين للمرشد، مستعينين بالكواشف الضوئية الصغيرة المعلقة على رؤوسنا. بعد نحو ثلث ساعة توسطنا في مكان فسيح وسط التلال قرب خيمة صغيرة، وطلب من المرشد تثبيت كاميراتنا على الحوامل تمهيداً لالتقاط صور للشفق القطبي حال ظهوره. بعدها أخذنا نتسابق في المحاولة على إيجاد الشفق في السماء، فلم تكن تلك الليلة صافية بشكل يتيح لرؤيته بشكل واضح. مر بعض الوقت دون أن يكتب النجاح لمحاولاتنا، وأصبنا ببعض خيبة الأمل!
لكن فجأة صاحت إحدى رفيقات المجموعة وهي تشير إلى تعرجات طفيفة تظهر في كبد السماء، وجهتُ كاميرتي إلى ذلك الاتجاه وكبستُ زر التصوير، انتظرتُ لنحو ثلاثين ثانية، بدت وكأنها عدة ساعات، حتى ظهرت الصورة على شاشة الكاميرا يتوسطها الشفق القطبي! أخيراً رأيتُ ذلك الشعاع المهيب الذي يشق السماء! أخذنا نحدق إلى الأعلى آملين بأن يتضح الشفق أكثر لنراه بأعيننا المجردة، ورغم أن الحماسة بدأت تقل إلا أن المرشد أخبرنا بأنه لا أحد يستطيع التنبؤ بموعد ظهور الشفق، فقد يظهر بأي لحظة! وبالفعل، مرت عدة دقائق قبل أن بدأ الشفق بالتكشف أكثر وبدا لونه الأخض يضيء بخجل قبل أن يخبو مرة أخرى.
رغم أنها كانت لحظات، لكنها كانت كافية لأفاخر مدى حياتي بأنني رأيت إحدى عجائب الطبيعة! لم نكن لنجعل الظهور المتواضع للشفق القطبي ليعكر ليليتنا، فقضينا بعض الوقت نتتبع أثار بعض الحيوانات مستعينين بالكشافات. كان المكان يضج بالحياة رغم سكونه.
دعانا المرشد إلى داخل الخيمة التي أشعل فيها ناراً في وسطها، فالتفينا حولها نتناول بعض المفرحات ونتعرف على بعضنا بشكل أكبر.ثم أخذ المرشد يحدثنا عن أساطير القدماء حول الشفق القطبي وتأثيرها على الفلكلور الشعبي لمنطقة لابلاند.
بعد أن انقضت ليلتي تلك بهدوء، استيقظت في اليوم التالي ممتلئاً بالنشاط؛ إذ كنت على موعد للتعرّف على الشعب الذي يعيش في هذه المناطق المتجمدة من آلاف السنين!
استيقظتُ باكراً موعوداً بشغف للتعرف على شعب السامي، السكان الأصليون للابلاند، حيث التحقت بجموعة انطلقنا سوياً من الفندق الثلجي ممتطين دباباً ثلجياً يجر عربة طويلة، حيث أجلسني قائد الرحلة، وهو سامي بالمناسبة، بجانبه على الدباب. قطعنا فيما بدا وكأنه بحيرة كبيرة متجمدة. ثم دلفنا منطقة تكثر فيها الأشجار، فتوقف الدباب أمام مستوطنة صغيرة لقبائل السامي. كانت المستوطنة عبارة عن عدة خيام منصوبة بشكل مميز وتحيط بها الأسيجة التي تحوي أعداداً من غزلان الرنة.
شعب السامي هو الشعب الذي استوطن لابلاند قبل نحو ١٢ ألف سنة في مناطق شمال اسكندنافيا، امتداداً من شبه جزيرة كولا )تقع في روسيا اليوم( شرقاً حتى خلجان النرويج غرباً، مروراً بمناطق شمال فنلدنا والسويد. على امتداد تاريخهم الطويل، استطاع السامي ترويض غزلان الرنة وغيرها من الحيوانات على شكل مجموعات لتكون مصدر رزق لهم، وأخذوا يتنقلون بانتقالها قاطعين الجبال والأودية والأنهار في أرض لابلاند الشاسعة. كما طوروا ثقافتهم الخاصة ولغتهم المميزة، مما جعلهم قومية مستقلة لا تزال تعيش اليوم مفتخرة بتراثها ومعتزة بأرضها السخية5.
كانت غزلان الرنة تجول في حظائرها عندما قررنا ملاطفتها والتقاط الصور معها، بينما كان الرجل السامي يحاول الإمساك بأحدها لتهيئها لجر عربة من طراز فريد. كانت العربة مسطحة ومصنوعة من الخشب وتحملها مزلاجتان طويلتان ترتبطان بحبلين وثيقين ثبتهما الرجل حول جسد غزال الرنة. كان الأمر في غاية السهولة، فكل ما كان علي هو الجلوس على ركبتي في العربة والإمساك بحبل يرتبط بعنق الغزال التي تنطلق بأقصى سرعة حالما يصيح بها الرجل! انطلقت الغزالة كرصاصة وأخذت تجر عربتي فوق الجليد بسرعة فائقة، بينما كنت أصيح بها لتزيد من سرعتها التي تزيد من سعادتي وبهجتي بهذه التجربة. وشعرت بالغبطة إذ جربت إحدى وسائل المواصلات التقليدية لشعب السامي، والتي أجزم بأنها من أمتع وسائل المواصلات التي جربتها على الإطلاق!
بعد تلك التجربة المثيرة، دعانا الرجل السامي إلى خيمته، والتي كانت ذات مساحة معقولة في الداخل، إذ يستطيع خمسة عشر شخصاً الجلوس بسهولة حول نار الخشب التي يمتص دخانها فتحة في قمة الخيمة. اقترح الرجل أن نتذوق لحم الرنة على طريقة السامي، فرحبنا باقتراحه كثيراً خاصة أنه أخبرنا أنهم يقومون بتدخين اللحم عبر تعليقه على تلك الفتحة في قمة الخيمة، مما يجعله عرضة لدخان النار الذي يزوده بنكهته الخاصة! قدم لنا الخبز السامي التقليدي ثم زودنا بلحم الرنة بعد أن طبخه على النار لمدة وجيزة! كان اللحم طرياً وناضجاً، وزاد من لذته تجربته مع ذلك الخبز المحلي وطبقة من مربى التوت البري الطازج!
بعد اختلاطنا الجميل، رغم قصره، بثقافة السامي، قفلنا عائدين إلى الفندق الجليدي قاطعين ذات البحيرة المتجمدة. أخذت أجول بعيني متفحصاً السهول والتلال الممتدة أمامي، وهالني أن منطقة باردة وهادئة مثل لابلاند السويدية تزخر بهذه المفاجآت الطبيعية والحضارية، إنها من قبيل تلك المناطق التي تخطف الأنظار من أول وهلة، ويقع الزائر في حبها من أول لحظة، فكل لحظة قضيتها في لابلاند كانت تحمل معها مفجأتها الخاصة، مما جعل تجربتي في لابلاند تجربة لا تنسى وسأظل أحمل ذكرياتها في قلبي ما حييت.
*****
About the Author
يمكن اعتبار عبد الله الجومة من أكثر الرجال حظاً في المنطقة إذا كان العمل بشغفك مهنة يُحتسب حظاً.
رغم كونه في الثلاثينيات من عمره، إلا أن هذا الشاب من مواليد الرياض، حاصل على شهادة في القانون (خريج هارفارد أيضاً)، لكنه وجد شغفه الحقيقي في الكتابة. بعد نجاح كتابيه السابقين «عظماء بلا مدارس» و «أيتام غيروا التاريخ»، كان شغفه بالسفر هو الوقود الذي أشعل عمله الأكثر شهرة «حكايات سعودي في أوروبا» (2013). يروي الكتاب مغامرات الجومة وهو يجوب أوروبا متنقلًا بحقيبة ظهره، حيث أقام في أماكن مختلفة تمامًا، من القصور إلى بيوت الشباب.
صرح الجومة لمجلة Esquire قائلًا: «فكرة السفر واستكشاف العالم ليست مفهوماً جديداً على السعوديين، على الرغم من أنها لم تكن يوماً جزءاً كبيراً من ثقافتنا. أشعر بالامتياز لقدرتي على السفر كثيرًا، وبالمثل أشعر بالامتياز لتمكني من تشجيع الناس في المنطقة على تحقيق أحلامهم من خلال إظهار أن العالم الخارجي واسعٌ حقًا بقدر ما يتصورونه.»
