لم تكن مهمة سهلة لنادي الاتحاد السعودي الذي قاتل بضراوة لانتزاع لقب الدوري السعودي للمحترفين، يقف خلفهم جمهورٌ عاشق آزر العميد بكل ما أوتي من قوة. تعرف مع إسكواير السعودية على القصة كاملة لرحلة نمور جدة نحو التتويج.

لن أنسى ذلك المشهد، حين عزمت على حضور المباراة الحاسمة بين نادي الاتحاد السعودي وغريمه نادي الهلال، كان العميد آنذاك قاب قوسين أو أدنى من تحقيق لقب بطولة الدوري السعودي للمحترفين، وعلى الرغم من التعادل الإيجابي الذي أرَّق مضجع جمهور الذهب، إلا أن الدهشة تملكتني من هول ما رأيت وأيقنت حينها أن التتويج لا يليق إلا بالنمور قريبًا كان أم بعيدًا.
ضمن مباريات الجولة الـ27، أُقيمت المباراة الحاسمة في ملعب الأمير فيصل بن فهد «ملعب الملز» في العاصمة الرياض بين جمهور الهلال وفي أرضه، ولكن جماهير الاتحاد لا تعترف بهذه المُسلَّمة زاحفين دعمًا لناديهم من كل حدب وصوب. مع اقتراب اللقاء تفاجأت بنفاذ تذاكر المباراة في وقت مبكر، ولم تتح لي الفرصة للحضور ضمن «مدرج الذهب» فسارعت بشراء تذكرة تقع في مدرجات نادي الهلال بعكس رغبتي التي تطلَّعت للحضور وسط جمهور الاتحاد لأعيش التجربة مستمعًا للأهازيج التي لطالما تغنَّى بها هذا المدرج، وبصورة مغايرة وجدت نفسي في الجانب الآخر من المعادلة محدقًا إلى المدرجات الصفراء عن بعد، فكانت المفاجأة!

كانت الرايات الصُفر ترفرف عاليًا على الجانب الآخر، والأهازيج الطربية تزلزل ملعب «الملز» وكأننا على شفا معركة لا لقاء كروي، تلفتُّ يمنةً ويسرة فإذا بالجماهير من حولي موجهين هواتفهم نحو المدرجات الصفراء لالتقاط صور ذلك المشهد المهيب، وهو أمر نادر الحدوث في مثل هذه اللقاءات التنافسية، ولكن المشهد تغلَّب على كبرياء الحُضُور وتناسوا لوهلة أنهم هنا لدعم فريقهم «الهلال» الذي ينافس على البطولة كذلك، تساءلت حينها كيف لهذه الجماهير أن تظهر بهذه الروح القوية بعيدًا عن موطن الاتحاد «مدينة جدة» ولكن سرعان ما تذكرت مقولةً للروائي العاشق لنادي الاتحاد إياد عبدالحي: «إذا حضر الاتحاد فكل المدن جدة».
انتهت المباراة بتعادل مر بطعم الخسارة لنادي الاتحاد الذي بذل قصارى جهده ليحسم لقب البطولة مبكرًا من الجولة الـ27، ومع هذه النتيجة القاسية لم تتضاءل وتيرة التشجيع والهتاف حتى آخر لحظة إيمانًا منهم بأن الجمهور هو اللاعب الأهم في أرضية الملعب والمحفز الرئيس لمسيرة البطولات والأمجاد على مر التاريخ، وبالفعل كان لقب البطولة من نصيبهم بعد ثلاثية نظيفة في شباك نادي الفيحاء السعودي ضمن مباريات الجولة الـ29، ليُساق الكأس نحو مكانه الطبيعي في خزينة امتلأت بالبطولات والأمجاد، رسم ملامحها جمهورٌ عريق توارث هذا الشغف جيلًا بعد جيل.

نادي الشعب
هكذا تصف المدرجات الصُفر نادي الاتحاد: «نادي الشعب» وهو وصفٌ يثير حفيظة الكثير من محبي كرة القدم في المملكة العربية السعودية، ويجادل البعض بأن الاتحاد ليس الأكثر جماهيرية وشعبية بين مختلف الأندية السعودية، وبالفعل كلا الطرفين لا يملكان حجة دامغة لكسب هذا اللقب، إلا أن المدرجات لا تكذب أبدًا وهي الشاهد الأول على الحضور الجماهيري الطاغي في جميع لقاءات الاتحاد داخل جدة وخارجها.
عُرف جمهور الاتحاد بدعمه اللامحدود في أجمل الظروف وأسوئها، في صراع البقاء وفي صراع التتويج، خارج أرضهم وداخل أرضهم، في البطولات المحلية والمشاركات الخارجية، لأن عقلية المدرجات الصُفر لا ترضى بأنصاف الحلول، ولا يُشبِع حبها سوى الذهب الذي لطالما اعتادوا عليه منذ انطلاقة مسيرة ناديهم قبل أكثر من 95 سنة.
الاتحاد يمرض ولا يموت
عانى الاتحاد من سنوات عجاف في العقد الماضي، ومنذ 2009م لم يتمكن النادي من تحقيق بطولة الدوري أو حتى المنافسة عليها، بل واجه شبح الهبوط لعامين متتاليين كان آخرها في سنة 2019م، الأمر الذي دفع برئاسة النادي المتمثلة في أنمار الحائلي لإطلاق استراتيجية واعدة للنهوض بالفريق وتدعيم صفوفه بأسماء عالمية كبرى والعودة مرة أخرى إلى سباق الأبطال، وبعد سلسلة متتابعة من الخسائر المؤلمة لم يتمكن من المنافسة على المراكز الخمس الأولى من عام 2017 وحتى 2019، ليعود تدريجيًا في الموسم التالي، وينافس السنة التي تليها على لقب البطولة، حتى تمكن اليوم من حصد اللقب بكل جدارة.
اتخذت إدارة الاتحاد استراتيجية واضحة لتدعيم صفوف الفريق والنهوض به لمصاف الأندية العالمية، وكان اللاعب روماريو ريكاردو سيلفا من أوائل هذه الصفقات في عام 2018 قادمًا من نادي الجزيرة الإماراتي، وفي عام 2020 انضم صخرة الدفاع المصري أحمد حجازي إلى الاتحاد على سبيل الإعارة من نادي ويست بروميتش ألبيون الإنجليزي، وفي ذات العام قدِم المدافع السعودي عمر هوساوي من نادي النصر، إلا أن الصفقة الأشهر التي أثارت ضجة واسعة في الأوساط الرياضية كانت للاعب المغربي عبد الرزاق حمد الله الذي أعلن نادي النصر فسخ عقده في عام 2021 لينضم لاحقًا لنمور جدة ويصبح هدَّاف الدوري السعودي برصيدٍ إجمالي بلغ 21 هدفًا لهذا الموسم، الأمر الذي ألهم مدرج الاتحاد لكتابة أهزوجة خاصة تتهكم بنادي النصر لتفريطه في النجم المغربي.

الإيمان المتبادل بين اللاعبين والإدارة كان له أثرٌ واضح على التعزيز من كفاءة الفريق، فلنأخذ «مارسيلو غروهي» على سبيل المثال؛ حيث انضم إلى صفوف الاتحاد في أواخر عام 2020 كحارس مرمى ولا يملك العديد من الإنجازات والبطولات، إلا أن الفريق الفني والإداري لنادي الاتحاد رأوا فيه مهارة واعدة للحفاظ على نظافة شباكهم، وبالفعل لم يخيِّب الحارس البرازيلي آمالهم، ليصبح الحارس الأكثر محافظةً على نظافة شباكه في الدوري السعودي برصيد 18 مباراة.
على الجاني الآخر اللاعب «روماريو ريكاردو سيلفا» والشهير بـ”روما» الذي انضم مبكرًا للنادي في 2018، حينها كان الاتحاد يعيش أحلك الظروف، ديون متراكمة على خزينة النادي، أداء متواضع في الدوري السعودي، مستقبل ضبابي وإدارة غير متجانسة، ومع ذلك آمن «روما» بالقميص الأصفر والأسود، وبذل قصارى جهده ليحصد ثمار جهده المستميت في آخر المطاف.

الثقل التاريخي
في 1927م اجتمع عدد من وجهاء وعشَّاق كرة القدم في مدينة جدة لمناقشة فكرة تأسيس نادٍ جديد يليق بعروس البحر الأحمر، واتفق الجميع على اختيار اسم يطابق حالة اجتماعهم وتآزرهم، فكان «الاتحاد» خير دليلٍ على ذلك. في عام 1952 كانت الولادة الحقيقية للكرة السعودية حيث نُظِّمت أول بطولة رسمية في المملكة وبالتأكيد كانت من نصيب النمور كما تقتضي العادة، ليُسطِّر التاريخ على مدار الأعوام برصيد بلغ 38 بطولة محلية وعالمية.
هذه المسيرة المليئة بالإنجازات صنعت هالة للاتحاد بين الأوساط الجماهيرية، ليصبح الثقل التاريخي وقودًا يحرك الفريق بمختلف إداراته، وبات القميص تحديًا لمرتديه قبل كل شيء، محتمًا على حامله تقديم كل ما يملك ليواكب تطلعات الجماهير التي رسمت صورة واضحة الملامح لفريقٍ كان الفوز ديدنه الوحيد منذ أن رأى النور في أوائل القرن العشرين.

إلى كأس العالم
ضَمِنَ نادي الاتحاد مقعده في كأس العالم للأندية بعد فوزه المستحق في بطولة الدوري السعودي للمحترفين، لتسارع الإدارة في تدعيم صفوفها، ولكن هذه المرة بأسماء عالمية شاركت في كبرى البطولات الأوروبية، ليعلن النادي عبر حساباته الرسمية في وسائل التواصل الاجتماعي عن انضمام النجم الفرنسي ذو الأصول الجزائرية «كريم بنزيما» إلى صفوفه، إلا أن أنمار الحائلي لم يكتفِ بعد، ليعلن عن انضمام لاعب خط الوسط في نادي تشلسي الإنجليزي «نغولو كانتي».
صفقات ضخمة كفيلة بأن تنقل الاتحاد إلى المنافسة العالمية، وهو ما يؤكده أنمار قائلًا: «مشاركتنا في كأس العالم للأندية لن تكون عادية، وسننافس على اللقب» وما زالت البشائر تهل على الجماهير الصبورة، ليعلن وزير الرياضة السعودي الأمير عبد العزيز بن تركي الفيصل عن انتقال ملكية نادي الاتحاد إلى صندوق الاستثمارات العامة السعودي مع عددٍ من الأندية الأخرى ضمن مشروع الاستثمار والتخصيص للأندية الرياضية بهدف تعزيز الإمكانات والارتقاء بالدوري السعودي عالميًا.
يمكنك قراءة: رسميًا: الاتحاد والهلال والنصر والأهلي ملكًا لصندوق الاستثمارات العامة

عاد النمور إلى طليعة المجد كما كانوا دائمًا، عادوا بصولات وجولات من قبس الزمن الجميل، حين كانت الرايات الصُفر ترفرف عاليًا في القارة الآسيوية بعد انتزاع لقب دوري أبطال آسيا لعامين متتاليين في الأعوام 2005 – 2006، شكَّلت تلك السنوات ثقلًا تاريخيًا يؤرق العميد وجمهوره، فكيف له أن يرضى بغير الصدارة وهو من هو في العزِّ والسؤدد، سيبقى الاتحاد أسير ذلك التاريخ المشرِّف، ولن يقبل جمهور العميد بأقل من ذلك أبدًا بعد إدمانهم على الذهب.
