مونت بلانك وإسكواير السعودية، تقدما (مقتطفات) مختارات أدبية تُبرز أفضل القصص الخيالية والواقعية للكتاب السعوديين

مفهوم المقتطفات: نحن جميعًا روائيون بطريقة ما. هذا جزء أساسي من كيفية تواصلنا كمجتمعات – كبيرة وصغيرة. هذا ما تتعلق به المختارات: لإقراض منصة Esquire التاريخية لجيل جديد من كتاب القصص القصيرة، والدفاع عن فن الكلمة المكتوبة. ستبرز كل عدد قصة قصيرة كتبها كاتب محلي، مما يمنحهم الفرصة لاتخاذ أول خطوة في سرد قصصهم، والتعبير عن أنفسهم وتحقيق إمكاناتهم. سيكون من حق الامتياز لـ Esquire السعودية مشاركته.

كَبُرَتْ في بيت لا أحد يُعلّم فيه أحدا. تتعلم الصواب والخطأ بالتجربة وعواقبها، وأيضا بتلك الطريقة التي يُحسّن خيالها الأشياء من حولها، لتبدو أيسر في التعامل معها. أحياناً ترى السكون أفضل من الحركة، فتبقى جامدة في مكانها لما يقارب الساعة، وفي أحيان اخرى ترى في كل جُرف حماسة مكثفة، فتتخذ من الحواف الخطرة مكانا آمنا لها كما تفعل ماعز الجبال. لكن المباهج لا تأتي بلا ثمن، فعواقب السكون والحركة هذه، جعلت من ذكائها موضع شك في المدرسة…معلمة واحدة فقط قالت إنها عبقرية، أما البقية فوصفنها بطفلة التشتت الذهني الحاد، وفرط الحركة، وكن يطلقن عليها بشكل تهكمي لقب«الإعصار ».

يربيها جدٌّ وجدةٌ، لذا بدا العالم كبيرا عليها للغاية في تلك القرية، جدان هما الأكثر اصطداما بالأبواب، ونسياناً لموعد ذهاب الحفيدة للمدرسة، لأنهما يقضيان نصف يومهما نائمين، ونصفه الآخر في محاولة مستعجلة لتذكير بعضهما بقصص، يبدو محوها أسهل على الذاكرة من استرجاعها. أحصت الحفيدة الفروق الشاهقة بين الجدين في لحظات نومهما الكثيرة، ولم يفتها تمييز الأمر الوحيد المشترك بينهما، لحظة استيقاظهما في أي وقت من ساعات النهار الطويلة، ألا وهو قولهما العبارة نفسها في كل مرة: «لمَ لمْ تنم بعد هذه الصغيرة؟». مساء ذلك اليوم، وبينما أصابع الجدة مرتخية فوق وعاء، تنخل فيه الدقيق وهي تجلس على الأرض برز لوهلة من تحت أصابعها بعض السوس. أطل بسواده اللامع، قبل أن يعود ليختفي في أعماق البياض كذاكرتها.

حينها تلفتتْ بفزع وكأن جدران الغرفة تضيق بها، وهي تسأل بصوت يشارف على البكاء: » أين عمر؟ عمر… يا عمر!! ». يلتمع اللعاب على ركني فم الجد، لكن لم يعبر شفتيه إلا أنين يثير الشفقة، على الابن الذي لقي حتفه، في حادث مروري مروع، قبل ثاث سنوات. هو يعرف أن مجرد قول الشيء لن يجعله حقيقة، لذا لم يناد عمر كما فعلت زوجته. تركت الحفيدة الدفتر الذي كان أمامها على الأرض، والتي كانت تنفذ فيه عقوبة الأشغال الشاقة، التي فرضتها عليها معلمة اللغة العربية القاسية والمتبرمة دوما… تعيد القطعة ذاتها، صفحة بعد صفحة، وذلك لتحسين خطها، الذي لا يتحسن، بينما الأصابع تزداد تورما. تحمل في يدها اليسرى حلوى تخفف عنها عناء الكتابة،

لذلك التقطت بيد واحدة غترة لا يرتديها جدها إلا في صلاة الجمعة. وقفت بين فخذي الجدة، اللذين يعانيان غياباً نسبيا للحم، لذا تركا فجوة ضيقة، لكنها تكفي لقدمي طفلة في السابعة. وقفت بشعر كثيف وأهداب طويلة، برأس تعلو على رأس الجدة، ثم رفعت يدها اليمنى ورمت «بالغترة » بشكل عشوائي ومائل فوق رأسها، ليختفي تحتها معظم وجهها، مغيرة صوتها ليبدو رجوليا: «أنا عمر يا جدة » منحتها الجدة أطيب ابتسامة، وهي ترفع رأسها للأعلى، كما كانت تفعل حين تتحدث إلى عمر أطول أبنائها، بينما تعابير وجهها، تتبدل كانفراجة زرقاء في سماء غائمة: «لكن عمر لا يأكل الحلوى! ». ردت الحفيدةعلى عجل: «ولا أنا ». كانت عصى الحلوى في تلك اللحظة قد استقرت في وعاء الدقيق، والسوس بدأ يخرج من مخابئه باتجاه نكهة التوت الرطبة

مقتطفات

سيرة الكاتبة

ولدت فاطمة عبدالحميد عام 1982 في جدة، وهي كاتبة سعودية استحوذت رواياتها الآسرة على قلوب القراء على الصعيدين الإقليمي والدولي.بعد وممارستها العمل كمدرسة معالجة نفسية وجدت عبدالحميد صوتها الحقيقي في الأدب.وانطلقت مسيرتها مع مجموعة قصصها القصيرة «كطائرةورقية 2010 لتتبعها بعد ذلك روايات حظيت بإشادة كبيرة مثل (حافة الفضة) 2013 و (ة النسوة)2016

وأحدث تحفها الأدبية (الأفق الأعلى) 2022. هذي الرواية الأخيرة، وهي كوميديا سوداوية ساخرة يرويها ملكالموت، وصلت للقائمة المختصرة لجائزة بوكر العربية المرموقة، لترسخ مكانة فتحية عبدالحميد كصوت حيوي في الأدب العربي المعاصر. تستمر استكشافاتها الشجاعة للسلوك البشري وتصويرها الدقيق للشخصيات المعقدة واستخدامها المؤثر للغة في أسر القراء وإرساء مكانتها كنجمة صاعدة في سماء الأدب العربي.

قد يهمكم الإطلاع على الروايات الكلاسيكية التي يمكنك قرائتها بلا عناء