مشهد الميتال في السعودية يعدو بخطى ثابتة وخجولة نحو الاحترافية ولإيجاد بصمته أملاً بتغيير الصورة النمطية.

الموسيقى الغربية الحديثة بالعموم ، اصبحت تكتسب شعبية محلية متراكمة واسعة النطاق، وذلك بالتزامن مع التغيرات والانفتاح القائم في مختلف جوانب الاجتماعية في السعودية، وأكبر المستفيدين من هذه الموجة التحولية هي الأنواع الموسيقية التي لها قبول أكبر في الثقافة المتعولمة السائدة، التي كونت أرضية جماهرية كبيرة داخل السعودية خلال السنوات الماضية، وهي نفس الأنواع التي لا طالما كان النجاح التجاري حليفها عالمياً مثل موسيقى البوب والراب والتكنو وغيرها، ولكن محور اهتمامنا هي موسيقى الميتال الجديدة على واقعنا، والتي لا تتسم بهذه الخصائص الجاذبة التي لم تمكنها من حصد جماهرية واسعة كما فعلت أنواع موسيقية الأخرى، وإن كانت أحد أنجح الأنواع التي خرجت من رحم موسيقى الروك.

موسيقى الميتال يمكننا وصفها بأنها مجموعة من الأساليب والتراكيب الموسيقية المتجانسة وبمعنى أصح الأحيان المتعاركة بتجانس، ذات الصلة القوية بمستمعيها، لا يخلوا نغمها من الرتم الحاد المبنى على النفس التصاعدية. مدفوعة بالأصوات عدوانية للغيتار الكهربائي والطبل.

Metal Riyadh

المشهد الذي يطرأ لذهني عندما أفكر بالميتال والذي وسع فهمي السطحي للميتال، كان ضمن مرحلتي الجامعية في مدينة الشارقة، انا لست ممن ينقمون وينفرون من تلك الموسيقى بعمومية، حيث أني أستمع لفرق ميتل لها رواج تجاري واسع النطاق مثل ميتاليكا، حينها تعرفت على مشاري في أروقة الجامعة الذي توطدت علاقتي به من خلال موسيقى الروك والبلوز، التي كنت لا أسمع الا إياها في ذلك الحين، بدأ الأمر بذاهبي في أحد الأيام لشقته القريبة من جامعتنا بدعوة منه لكي أستمع لعزفه على الغيتار الكهربائي التي كان قد هجره لفترة من الزمن وعاد شغفه له قبل بضعة سنوات من لقائي به، جيتار الفيندر الذي أعاد بث روح الإبداع فيه، بدأت بطلب بعض الأغاني الكلاسيكية من الروك والبلوز، ثم قدم لي نغم لم أسمعه ضمن أغنية (جي أو أي تي) لفرقة بوليفيا، دفعتني تلك الأغنية للاطلاع على أنواع أخرى من الميتال، وضمن تلك الجلسات التي أصبحت شبه اسبوعية تعرفت على تلك الموسيقي وعلى دهاليزها واقطارها وانواعها التي أعجبني بعضها.

تاريخ الميتال في المملكة

تاريخ موسيقى الميتل في السعودية تعود لأواخر تسعينات القرن العشرين حين ما انبثقت براعمه واستمرت بالنمو حتى أوائل القرن الحادي والعشرين وحتى اليوم. ويُأرّخ ذلك بخروج مجموعة أول فرق ميتل أو هارد روك خلال تلك الحقبة، التي لم تكن تعج بالقبول الدافئ للموسيقى بشكل عام وخاصة ذات المرجع الغربي مثل الروك والميتل التي كانت غريبة وشبه محرمة اجتماعيا.

 ومع ذلك اشتهرت كل مدينة في المملكة بفرق ميتال لها صوتها الخاص الذي يميزها، أبرزها فرقة الكثبان الرملية وفرقة القرمزية وفرقة النوتات الأصلية والهيميك من الرياض. ومن جدة فرق مثل الأرض المهدورة، والألم الخالد، جمهور الهيكل العظمي، ومن المنطقة الشرقية فرقة النفايات الإبداعية وصوت الياقوت، أسماء نمطية تتوقعها من فرق ميتال. وقد عانت هذه الفرق الذي يزال القائمون عليها نشطون إلى اليوم، وضروب هذه المعاناة صورة تواردت في عالم الميتال السعودي حول استئجار بعض الموسيقيين لاستراحة على أطراف المدينة التدريب ,ولكن وهم في خضم العزف المليئ النشوة، في لحظات يتوقف كل شيء بفعل فاجهة مداهمة  الشرطة الدرامية، ولكن تلك حقبة أصبحت من الماضي، نذكرها لنضع الصورة بسياقها التاريخي الصحيح.

metal

وتاريخ الميتل بشكل عام يعود لأوائل السبعينات ولكن مصطلح هيفي ميتل يرجع لقبل ذلك بمعناه غير الحرفي، حيث نراه مرصود في الأدب والكلمات الأغاني منذ الستينات وأسماء مثل أيرون مايدن وبلاك سابث كريم جيمي هندركس هم من طوروا نغم الميتال المتسارع بالطبول والجيتار الكهربائي ذو الصوت المشوش بتحكم.

ونستطيع الجزم بأن في حقبة الثمانينيات مثلت حجر الأساس لمشهد تطور الميتال الحالي المستقل الاصيل، الرافض للتحول التي تميزت بإيقاعها السريع وصوت غيتارها القاسي وعدوانيتها وكلماتها النقدية أو الساخرة.

لماذا يعشقون الصخب

قد لا يفهم الكثير من السعوديين والأغلبية العظمى من الذين ينتمون لبيئة اجتماعية محافظة في الشرق الأوسط والخليج، الخصائص التي قد تدفع شخص للاستماع والإعجاب بمثل هذا النوع من (الموسيقى الشيطانية التي تستبدل الغناء بالصراخ المزعج بشكل منفر يمنعك من فهم الكلمات ويسبب لك الصداع النصفي) كما يصفها البعض، بناءً على تجاربهم السطحية العابرة.

Metal Riyadh

 يجب أن نؤكد بأن موسيقى الميتال منذ بزوغها في أوائل الثمانينات وحتى اليوم هي موسيقي ذات شعبية محدودة مقتصرة على أرضية جماهرية متواضعة مقارنة بغيرها، ولكن جمهورها يتميز بالولاء والترابط الاجتماعي العالي، وقد يرجع ذلك للنظرة النمطية الإقصائية السلبية التي يراها العوام، ولكي نفهم سبب الإعجاب والهوس والشغف بهذه الموسيقى وما هي تأثيرها على مستمعها، التأثير يتعدى المتعة والنشوة اللحظية وإن كان كلاهما هو أحد المشاعر التي تولدها بعض أنواع الميتل لمستمعيها، حيث أن موسيقى الميتل لا يمكن اختزالها في إطار واحد، الميتال عالم متشعب به أقسام مقسمة تختلف عن بعضها البعض من الجانب الفني، تأخذ أشكال مختلفة تمتزج بأنواع موسيقية أخرى، إذا استمعت إليها قد تظن بأنها هارد روك أو راب أو البلوز مع حفاظها على رتم الموسيقى المتسارع التي تتميز به.

 لكن المثير للإهتمام هو أثر السكون النفسي التي تعطيه الميتل للكثير من مستمعيها وهي إشارة قد يستغرب منها البعض لأن الصورة النمطية ترمي بعكس ذلك، ولكن ما أقصده هو علو الصوت الصاخب الذي قد يخدر ويطغى على المشاعر والأفكار العشوائية المترامية بتشعبية مرهقة،والتي في كثير من الأحيان تملأ ذهن المراهق الذي يخوض رحلته الخاصة أملاً في تشكيل هويته ومعرفة طريقه، أو أي شخص يتعامل مع ثقل حياتي أو يعاني من معضلة اجتماعية مثل الرهاب الاجتماعي، أو غيرها، تأثير الموسيقى هنا يتعدى اثرها المسلي والمُفعل لنشوة الموسيقية التقليدية، وهناك الأثر من التفريغي الذي يعبرون عنه مستمعي الميتل بشكله النمطي السريع الحاد، وهو الأمر الذي قد يبينه بشكل مُفصل أحد محبي ويمكنني أن أصفه بمهوسي تلك الموسيقى بأنواعها، وخاصةً نوع الهيفي ميتيل الحاد الذي قد لا يستسيغه المستمع المبتدئ، هو الكاتب محمد فريد الهرري قائلاً لإسكواير: “قد يكون الدافع الأول لسماع الميتل هي الروح الثورية التي تبث الفضول للتعرف على المحرمات والمكروهات الإجتماعية “.

Metal Riyadh

هي الروح الثورية للاستكشاف والتعرض لكل ما هو ممنوع وغير مقبول اجتماعياً، كما أن موسيقى الميتال تخاطب العقل والمشاعر معاً، وأيضاً هناك دافع أُشبهه بالفرادة التي تكمن في اللاوعي عندما تستطيع تفسير والاستمتاع بما لا يفهمه الأغلبية، مثل الفن التجريدي مثلاً، إن الكلمات التي تتواجد في أغاني الديث ميتال لا يفهمها إلا من تعود سمعه عليها، عكس الأغاني واضحة النغم والمشاعر، وكلمات الميتل تتعدى ذلك النطاق بطرحها لأفكار وصور غير سطحية ترسمها الكلمات والآلات الموسيقية بتفاعل، كما نرى في أغنية «الحرب لفرقة الأيدولز» التي تتصارع فيها الآلات مع بعضها لتصور لك تحطم المنظومة الاجتماعية أو الاقتصادية أو أياً ما أردت تفسيرها، هي إيضاً مصدر للقوة والطاقة إذا احتجت اليها في صورة، كما أن الروح تحتاج لتفريغ العدوانية المكنونة بها، التي قيدتها الأُطر الاجتماعية الحديثة، كالوظيفة المكتبية الروتينية التي قد تولد المدى البعيد نوع من البلادة النفسية.

“بالإضافة إلى أن موسيقى الميتال قد تصنع وتعزز البيئة االتي تبث الطاقة أو تفرغها في روح المستمع،بناءً الموسيقى تحتاجها لكي تصل الى مرادك على الصعيد اليومي، أي انها وقود محفز، عند الكثير من عاشقي الميتال فإن الموسيقى وتأثيرها  الدافع الذي يمكنك من إنجاز وجبات حياتية لتناهض حالة التبلد المتزامنة مع الوظيفة الروتينية التقليدية، و تحافظ على حالة من الحماس والطاقة الانفعالية، وذلك هو الأثر الواقع على عند سماعي للميتال”.

محمد فريد الهرري
Metal Riyadh

كما أننا لا نستطيع أن نتغاضى عن الصور النمطية السلبية التي تطرأ على ذهن الكثير عندما نذكر الميتال، وهي صورة لم تنشأ  من العدم بل كانت لها أسباب تاريخية وتحولات ثقافية جديدة، وإن كانت تلك الصورة محفوفة بالمبالغات ومغلوطة بعموميتها ، ذلك لا يغير من حقيقة  تواجد فئة  ضئيلة ولكن حاضرة من جماهير الميتال الذين تتسم حياتهم بالسوداوية و ويترجمون  الأغاني بسلبية ليخلقوا مشاهد يتخللها صور حانقة كئيبة، ويوعز محمد فريد ذلك: “إن هؤلاء موجودين ولكنهم أقلية وحالتهم النفسية التي تحتاج لمعالجة طبية وهي أساس المعضلة، لما تدور في فلك اللوم والكأبة حينها سترى كل ما هو حولك من فن وموسيقى بعدسة داكنة تعزز أفكارك غير المتزنة”

هل بالإمكان تغيير وجهة نظر شخصية حول موسيقى الميتال؟ أولاً يجب على الشخص أن لا يتزمت ويعطي نفسه فرصة للاستماع بلا أي تصورات مسبقة، وبالطبع أنسب الأغاني الأولية التي يجب أن يستمع لها هي أغاني لفرق لاقت نجاحًا تجاريًا كبير مثل ميتيلكا لأن موسيقاها تعدت ثقافة الميتال الى الثقافة العامة السائدة.

موسيقي الميتال الصاعد في المملكة

فن بهذه المحدودية الجماهرية  أيضاً داخل العالم العربي وخاصة السعودية، كيف سيسمح لفنان يصعد  لشخص سعودي بأن يتطور ويصعد لدرجات الاحترافية ويحصد الأرضية الشعبية  كموسيقى أو مغني ميتل في السعودية سؤال له أجوبة ضمنها قصص وأمال وتكريس لمئات الساعات والمجهود بلا يقين حول حتمية الوصول للمخرجات المرادة التي تتجلى بالنجاح الفني والتجاري، وهنا تساؤل  يطرح نفسة حول واقعية تواجد موسيقيين ميتل سعوديين متفرغين ومحترفين، ولكن مبدئياً يمكننا الجزم بأن هناك موجة ميتل محلية في الوقت الراهن يقودها بعض الأسماء والفرق المتميزة ببصمة موسيقية حديثة، بالطبع بعدها متطور اكثر من الآخر،

يجمعها المحاولات الجاهدةَ للوصول لنطاقات تُمكن الجمهور من التعرف عليها، أحد أبرز هذه الأسماء من الجانب الفني هو الموسيقي مشاري سنقورة المعروف بلقبه الفني (داسك) الذي خاط غمار التجربة وارتقى بقدراته الإبداعية الموسيقية في سنواته الجامعية، حينها كان يعزز ويطور قدراته وإمكانياته الموسيقية ويبحث عن بصمته الخاصة، في شقته بحي مويلح القريب من جامعة الشارقة وانا مستغلاً لذلك أطلب منه عزف كلاسيكيات الروك والبلوز، حتى أصبح اليوم فنان صاعد أصدر عشرات الأغاني وأحيا الكثير من الحفلات في السعودية والخليج. ولكن لكي تصبح موسيقي متمكن يجب أن تتعلم من الصغر وفي عالم الميتال الآلة الرئيسية وهي الغيتار الكهربائي الغير منتشر محلياً مقابل العود، الأمر الذي يبينه، مشاري سنقورة الذي وقع مؤخراً عقد توزيع عالمي مع شركة وورم هول ديث للإنتاج الموسيقي.

dusk concert

“المرة الأولى التي إقتنيت غيتار كهربائي بهدف التعلم كان بعمر الـ11 سنة وحينها لم أعرف عن أحد آخر يعزف على نفس الآلة الأمر الذي جعلني أشعر بأني وحيد باهتمامي، وكان هناك أشخاص مثلي لكن لم توجد طريقة لمعرفة ذلك قبل مواقع التواصل الاجتماعي الأمر الذي جعلني أتعلمها وأبتعد عنها وأعود مرة أخرى”

ولكن لايزال هناك عقبات ومعضلات تواجه موسيقي الميتال في مسيرتهم نحو الاحترافية والتفرغ الكامل للموسيقى، وذلك بعدم وجود دخل مادي يغطي احتياجاتهم الحياتية حيث أن أغلبية من ينتمون لهذا العالم يعملوه في وظائف تقليدية لتساعدهم على مشاق الحياة، “عندما تخرجت وعدت للرياض وجدت عمل تقليدي وبدأت أداوم عليه ولكن شغفي وإنتاجي الموسيقى لم يهدأ،

الميتال في السعودية

وإن كنت لا أملك الوقت الكافي له، حيث كنت أعود للبيت في ساعة الغداء لكي أعمل على أول إصدارتي الموسيقية حينها، ولكن لم أستطع التوفيق بين الأثنين حتى أخذت القرار يوماً بالاستقالة والتركيز على حلمي و شغفي، الطريق الذي لم يكن محفوفاً بالورود، حيث أني مع نشاطي وألبوماتي وحفلاتي لا أستطيع أن أخرج مردود مادي يكفيني، بل إني أدفع المال في بعض الأحيان لأغطي مصروفاتي الأساسية والإنتاجية عندما أسجل ألبوم، أو أسافر لإحياء حفل موسيقي، وذلك الذي دفعني لدخول عالم الترويج للحفلات مؤخراً، وإستحداث علامة تجارية تختص بتوفير قطع الغيتار الكهربائية، بجانب بيعي لبضائع عليها شعاري مثل الملابس وغيرها”

مشاري سنقورة

اليوم أصبح الحال مغاير عن ما مضى، وذلك بفضل المساحات الإبداعية المنتشرة في المملكة، والتي تشبه بتكوينها النوادي الموسيقية الصغيرة والمتوسطة في العالم الغربي، مثل ذا ميوزك سبيس في جدة وسيريب في الرياض، الخطوة التي وفرت فرص لم تكن موجودة قبل بضعة سنوات، لتسمح للموسيقيين المستقلين بالبروز والتطور أدائياً وجماهيرياً، وفي العالم الميتل الموسيقيين هم كذلك، بجانب كل التغييرات القائمة، أخذ التفاعل بين الفنان والجمهور بالاتساع بأثر وسائل التواصل الاجتماعي، التس أصبحت الدور الأهم في الترويج في الجانب التجاري، لتمكين الترويج الشخصي من جانب الموسيقي. وهو ما يجعلني متفائلاً عندما أستشرق مستقبل الميتال في المملكة العربية السعودية، ولكن لازال الطريق طويل أمام انتشار هذا الفن ذو الخصوصية ضمن المجتمع السعودي.

قد يهمكم الإطلاع على يعقوب الفرحان يصعد نحو القمة بخطوات هادئة

المحتوى ذي الصلة