عبدالعزيز المزيني جلس مع إسكواير السعودية وتحدث بشفافية عن مستقبل أفلام شركة سرب للإنتاج الفني القادمة بقوة، الطريقة والنهج الذي يتبعه في الكتابة والتأليف، نظرته للمشهد السينمائي السعودي، الطريق الأمثل نحو التطور الإبداعي في المجال، وعن فيلم راس براس

الكاتب والمؤلف عبدالعزيز المزيني والرئيس التنفيذي لشركة سرب للإنتاج الفني، شخصية شفافة حالمة بواقعية يسلك طريق يدفع للوصول الى دمغة خاصة، لتصبح أعمال الصناع المحليين لها فردانية تميزهم عن محيطهم اللإقليمي والعالمي، وذلك ليس ببعيد المنال بموجب سرعة وتيرة تطور المشهد السينمائي المحلي وتشعب الصنّاعة وإمتدادها وتعدد منظور القائمين عليها وأساليبهم في سرد القصص سينمائياً،

عبدالعزيز دفعه القدر بعد إنفصال فيصل العامر عن مسامير ليصبح الكاتب الرئيسي للمسلسل الشهير، وهنا صُقلت قدراته الإبداعية على مدى عقد من الزمن حتى دخلت حيز الإحترافية، خاصة وأن طبيعة شخصيته الفضولية ذات الخيال الواسع اصبحت تستقي النصوص من رحم الواقع والتجارب.

فيلم راس براس ، مغامرة كوميدية إستثنائية، مقابلة مع الأبطال

ا فيلم راس براس الجديد هو أول أعمال المزيني السينمائية الروائية الطويلة، بالتعاون مع رفيق دربه المخرج مالك نجر، هذا الثنائي أخرجوا لنا فيلماً كوميديا عبثية مليء بالإثارة، ويمكن تصنيفه بالتجاري وهو برأيي (أفضل فيلم تجاري سعودي حتى الآن)، كما كان المقصد منذ بداية إنتاجه، وهو نقطة انطلاق ناجحة جداَ لسرب، وطرحه على منصة نيتفلكس هي خطوة لبناء الاسم والسمعة للسرب، بموجب أنه أول أفلامها، وإن كان الفيلم تتوفر به كل عوامل النجاح في السينما عرض على نيتفلكس ليكون مقدمة تعارف مع الجمهور، ونجح حيث إنه لا يزال يتصدر قائمة أعلى المشاهدات في السعودية، عبر حصده لأكثر من مليون مشاهدة بعد طرحه ببضعة أيام، ودخوله قائمة نيتفلكس العالمية لأعلى عشرة أعمال مشاهدةً في العالم. يمكنكم الاستمتاع مشاهدته على نيتفلكس

 وبالطبع النقد البناء هو أحد عوامل تطور أي صناعة،  وإن كان هناك من يصنفه وينتقده بعدسة فاحصة، ويبين بعض الثغرات البسيطة  في الشخصية أو القصة وذلك حق مشروع، ولكن الفيلم بمجمله يخدم هدفه وإيجابياته في جمالية التصوير السينمائي وخلق البيئة الفريدة في (حي بذيخة) والكوميديا الحوارية القوية، تطغى على نقاط بسيطة أخرى، والمزيني مُلِم بهذه النقاط البسيطة، وأراد أن يؤخر إنتاج العمل لتطويره أكثر، ولكن هناك جدول إنتاج واقعي مرتبط بميزانية وفريق عمل، وقدرته في خلق القصص وتكوينها وتحوير الأحداث والانتقال بها توازن، ليس عليها غبار، كما أثبت ذلك في مسيرة مسامير وخاصة بالجزء الثاني من محافظة مسامير على نيتفليكس.

عبدالعزيز المزيني

رؤية إستديوهات سرب

شركة سرب لها رؤية واضحة منذ نشأتها يختصرها عنوان (من سرب الى الناس) وهي جهة إنتاجية مهمة سينردد إسمها على ألسن الكثير في السنوات القليلة القادمة، ويتكلم المزيني عن طبيعة النهج ونوع الأفلام التي سيقدمها عبر سرب ولماذا.

“أثرت في هذه الرؤية حقيقة امتعاضي من أن أغلب الأفلام السعودية الروائية الطويلة تكون موجهة للمهرجانات، وتكون مكتوبة بلغة متحذلقة لا يفهمها إلا المخرج والكاتب وكأنهم يكتبونها لنفسهم، لذلك خطة الطريق التي نتبعها في سرب مغايرة تماماً، حيث إن كل ما يتم تطويره من قبلنا يستهدف المشاهد العادي البسيط بهدف إمتاعه، نعمل على تطوير أفلام مختلفة ذات طبيعة غزيرة بالكوميديا بها عمق متفاوت كافي لدعم القصة، شبيهة بأفلام ويل فيريل وسيث روغن، طبعاً هي ليست أفلاماً تتمركز على عمق القصة، وتغوص في أبعاد الشخصيات وخلفياتها وصراعاتها، مثل فيلم الحوت.”

عبدالعزيز المزيني

 “وإن كان في جعبتي فيلم لايزال في مرحلة الكتابة، ويتسم بهذا العمق، وأعتبره أكثر الأفلام سوداوية على الإطلاق، وليس فيلم حزين لمجرد ذلك، فهو من تجربة شخصية أي أنه مفعم بالواقعية المزعجة، وسيتم طرحه بعد خمس أفلام كوميدية أو خمس سنوات”

عبدالعزيز المزيني

أسلوب الكتابة وطبيعة الأفلام المنتظرة من شركة سرب

الهدف هو عند ظهور شعار سرب في بداية الفيلم يتوقع المشاهد فرادة لفردانية لهوية خاصة، ويتعود معيارية معينة إنتاجياً وكتابياً، بصمة مختلفة عن الإنتاجات المحيطة، مثل إنتاجات شركة (أي تونتي فور) A24.

” إذا شاهدت معظم الأفلام السعودية اليوم بإستثناء سطار، أتحداك أن تعرف المخرج والكاتب، معظمها ليس لها طعم وبصمة مميزة ، لا كتابياً او تصويرياً “

عبدالعزيز المزيني

 لذلك الإنتاج وطريقة الكتابة والرتم الذي يسير عليه المزيني هو انعكاس لشركة سرب الذي يرأسها، مع أنه أوكل جزءاً كبير من مهامها الإدارية لشخص يثق به، لكي يتفرغ قليلاً للكتابة وتطوير النصوص، عبدالعزيز يتبع أسلوباً ذات رتم متسارع إنتاجياً ومتأن احترافيا، الذي يتم بموجبه إنجاز النصوص بشكل متعاقب.

” بالتزامن  مع طرح راس براس انتهيت من كتابة نصوص لفلمين آخرين، أتعامل مع كتابة القصة والنص مثل حل لأحجية، عند انتهائي من النص الأول، انتقل مباشرةً للتفكير في الفيلم الذي يليه، وحالة البحث والتفكير في القصة والنص تلازمني في كل ساعة من يومي، والفلمين القادمان الذي انتهيت من كتابتهم هم كوميديا، لكن يختلفون من جانب القالب عن رأس برأس، سيتم إنتاجهم مع نيتفليكس بالتأكيد، وسيتم طرح أحدهم السنة القادمة”

عبدالعزيز المزيني

وإذا أردنا معرفة مراحل التأليف والكتابة التي تبدأ بالفكرة وتنتهي بالنص السينمائي الجاهز للتصوير، قد يطول الحديث و التفسير ولكن ببساطة المزيني يستطرد قائلاً:

كتابة الأفلام تبدأ بتكوين الفكرة، التي تفحص قوتها واستحقاقها، وفي البداية قد لا تعرف في أي اتجاه ستتشعب وتنموا، بعد ذلك تبدأ المعالجة، ثم تضع رتم للقصة والسرد، وأهم شيء هي الفكرة، التي تكتب نفسها بنفسها، أي أنها خصبة من السهل البناء عليها، 

وعندما انتهى من المرجح أني أحاول أن لا أشاهد العمل، وذلك لأني دائماً أركز على العيوب وإن كانت صغيرة، ولكني أفهم أيضاً بأني إذا جلست أنقح، وأطور النصوص والأفلام لن أنجز شيئاً، لذلك تلاحظ بأننا (عبدالعزيز ومالك) أكثر الأشخاص إنتاجية لأعمال مع الحفاظ على المستوى المراد

عبدالعزيز المزيني

دوماً يبجث عن القصة

المزيني في بحث مستمر عن الفيلم والقصة، يستقي الوحي الإبداعي هادفاً لاصطياد الفكرة الحقيقية الجديدة، عبر فحص واقع الحياة المحيط به، ويدفعه وقود حب الاستكشاف والفضول الاجتماعي الكامن داخله، ليتقصى أماكن ويفحص مواقف وتفاعلات اجتماعية قد يتجنبها الشخص العادي، كما هو الأمر في فيلم راس براس الذي كانت بذرة فكرته هي مغامرة خطيرة عايشها عبدالعزيز منذ زمن، واستوحى منها الكثير من المشاهد والمواقف  المخيفة والمثيرة، 

هنا نفهم كيف ينظر المزيني لأهمية البحث والإبحار في القصص غير الاعتيادية، والخروج من دائرة الراحة بحثاً عن عنها، لذلك قد تجده يطول حديثه خلال مكالمة مع مسوق عقاري نصاب، ويتراسل ويفاعل معه وهو متيقن بعدم صدقه،  فقط لأنه يشعر بأن هناك بذرة لفيلم في هذا الحوار.

ليخرج بأفكار جديدة غير ممسوخة ومنسوخه، ليطور مثلاً فيلم (كوميديا قانوني)، والذي تمخضت فكرته بسبب موقف شخصي ضمن بودكاست، لتنموا الفكرة تتطور، “كنت معجباً بفيلم (بيج شورت) وكيف استطاعوا أن يصنعوا فيلماً عن عالم الأسهم والسندات الموضوع الممل ظاهرياَ، لكنهم تمكنوا من أن يجعلوه فيلماً ممتعاً ومشوقاً، حالياً أنا في خضم البحث وتطوير نص مشابه إطاري، عبر استشارة أكبر المختصين القانونيين في السعودية، بهدف خلق فيلم كوميدي قانوني منطقي عنوانه يشير إلى معضلة قانونية ليس لها وجود”

الكوميديا صعبة وسهلة

الكوميديا صعبة وسهلة بالوقت نفسه، ذلك بناءً على قدرة صناعها ووعيهم بمكامن القصور والنفور والتكامل، خاصة بمرحلة ما قبل الإنتاج التي تجسد الأرضية التي يتم البناء عليها في الصناعة، والتي تركز على (تطوير السيناريو، واختيار الممثلين، وتوجيه السرد)، إذا تمكنوا منها أصبحت الكوميديا واسعة النطاق، ويمكن أن تتشكل وتمتزج مع الخيال العبثي أو الواقع الخام  والعاطفة والرومانسية بشكل مدهش بلا مبالغة أو محاباة، وإذا اشتدت عضلة الكوميديا كتابياً حينها يسهل عليك قولبتها في نطاقات وعبر قنوات مختلفة.

“الكوميديا صعبة لذلك يهرب منها الكثير، وذلك لسهولة خروجها على نحو سيئ مبتذل (كرنج)، مثلاً راس براس إذا لم يتم التعامل معها بحذر وتوازن من أساس القصة والشخصيات إلى وواقعية الحوارات والدوافع المحركة للأحداث حتى ضمن واقع خيالي مبالغ فيه،  كان من السهولة أن يكون فيلماً مبتذلاً كالكثير من الأعمال الموجودة على الساحة، وتلك المعادلة نفسها الذي اتبعناها في مسامير، كما ستجد تجانس العبثية والواقعية في حلقة (مانع وجفير مسابقة الأوبن مايندنس)”.

عبدالعزيز المزيني

معادلة التجانس بين الخيال والعبثية بالواقعية ليست مقصورة على مسامير وأفلام سرب إلا أن صانعها أيضاً يتعمق في هذا العالم.

“من المضحك أني في الكثير من الأحيان أحوم بين الخيال والواقع ليس في عملي فقط،  حتى في حياتي الخاصة، مثلا أجلس مع عائلتي أفتح  على مائدة الطعام، وأبدأ في أتكلم في قصة أو موضوع معين لمدة طويلة، ليتساءل من حولي عن حقيقة ما أقوله”

 “وكيف أن شخصية درويش في فيلم راس براس، تستطيع أن  تتفاعل مع الأحداث بشكل كوميدي بعيداً عن الوقوع في وحل المبالغة النمطية، التي تصور الجداوي بالصورة الكرتونية مثل شخصية الجداوي في طاش ماطاش مثلاً، بالإضافة أن عادل رضوان هو نجم فيلم، والذي سيتفاجأ الكثير بأدائه وبزوغ اسمه في الأعمال القادمة”

التنافسية والتعاونات المختلفة ترتقي بالمحتوى السينمائي  

السوق السعودي متلهف ويبحث عن أفلام جيدة ، وكثير من لإنتاجات الماضية لم ترقى للمستوى المطلوب إلا قلة، قد نعول ذلك لعدد من العوامل يطول البحث فيها، لكن الذي يرتقي بالمحتوى هو التنافس والتعاون مع مواهب مختلفة مع كل عمل

 “ لا أؤمن بالشللية؛ ولذلك سترى أني لأول مرة أعمل مع عادل رضوان وزياد العمري في راس براس  لمجرد أنه مناسبان لأدوارهم وموهوبين، الشللية هو ما سيضرنا على المدى البعيد، لأن السوق يحتاج إلى نجوم، الذي لا نملك إلا قلة منهم، مثل عبدالعزيز الشهري الموجود في كل فيلم مطروح، وهو أول نجم شباك سعودي حقيقي، وشخص عزيز ولكن أنا أعمل على تطوير أفلام أخرى مختلفة يجب أن نصنع نجوم شباك آخرين لها، وإن كان هناك من هو حريص على الصناعة، يجب أن يترك عقلية (حنا ربع، وما نشتغل إلا مع بعض)، لذلك فيلمنا القادم سيكون بطولة ثنائية من امرأة ورجل، وجوه غير مستهلكة وبطابع غريب وجديد، وسيعرض في السينما.

عبد العزيز المزيني

وعندما تكلمنا عن التنافسية التي تصقل المحتوى يعبر عنها قائلا : ” أنا أحب التنافسية بطبيعيتي، وعندما أخترت الغراب كشعار لشركة سرب، المقصد هو حظ سيء لشركات الإنتاج الأخرى، ولا أؤمن بما يردده البعض بأن الأفلام تصنع من أجلنا ولكي نعبر عما بداخلنا فقط، غير صحيح، الغريزة الإنسانية التنافسية هي التي تدفعك، يجب أن أخرج بفيلم ممتاز يقهر تلفاز مثلا وهم يقدموا على نفس الأمر، لذلك لا أطيق المهرجانات المفعمة بالدعم بين المشاركين (لازم نكسر روس بعض) لكي ينمو المشهد السينمائي وكل جهة ترفع المستوى وتدفع بالأخرى، كما هو الأمر في هوليوود”

افلام المهرجانات

تحيط بنا اليوم ظاهرة أفلام المهرجانات وهي تلك التي يطغى عليها الترميز والعمق والتحليل المبالغ، وإن كانت تعجب البعض، فهي لا تستهدف الجمهور على نطاق واسع ، وعدم الرغبة في مشاهدتها ليست إشارة لعدم قدرة الجمهور على فهم الموضوع والإشارات التي تتعدد تفسيراتها، والعزوف عنها ليست دلالة على إنخفاض وعي وذكاء، كما هو الأمر في الفن التجريدي، كيف لي أن أفهم جمالية وعمق اللوحة المتلطخة بعشوائية أمامي، الا أذا كان هناك تشكيل وهيكلية دالة على الفكرة، أو تفسير ووصف مكتوب يشرح ذلك وهو أمر الذي يتضاد مع الهدف من الفن التصويري.

” أفلام المهرجانات التي يطغى عليها الترميز والغوص في حالة الشخصيات، ليست مناسبة للعرض على منصات ذات انتشار جماهيري واسع النطاق، ومن الطبيعي أن لا يستسيغها المشاهد أو يفهمها، لذلك إن دور المخرج والكاتب حينما يأتي بفكرة معقدة أن يتمكن من ترجمها بشكل مناسب لتصل للمشاهد ويستمتع بها، هنا تكمن القوة الإبداعية للصناع، حيث إذا تم تطوير عمل بعدسة وأسلوب نخبوي لن يستمتع بها إلا الجمهور الفئوي المستهدف وليس العامة، ليس كل ما يطرأ على المخيلة يستحق أن يُعرض، أنا لدي أحلام وأفكار لا تستحق أن أترجمها وأنتجها سينمائياً.”

عبد العزيز المزيني

قد يهمكم الإطلاع على صُنَّاع مسامير لمجلة إسكواير: الشخصيات ولدت من رحم الواقع، وهنالك نقطة فاصلة دفعتنا للارتقاء بالمحتوى

المحتوى ذي الصلة