نقدّم لكم نجم غلاف عدد إسكواير السعودية لموسم شتاء 2025: صانع الأفلام، محطّم الأرقام القياسية في شباك التذاكر، ورائد السينما جيمس كاميرون.

تبدأ رحلتنا في عالم Cameron من داخل شركة Lightstorm Entertainment في مانهاتن بيتش، وهي شركة إنتاج مستقلة أسّسها المخرج الكندي، التقني والمغامر James Cameron عام 1990. يدخل الزائر إليها فيخالها متحفًا أكثر من استوديو سينمائيًّا تقليديًّا. فقبل بلوغ مكتب Cameron، ينبغي المرور عبر قاعة شاسعة تزدحم بمجموعات مذهلة من مقتنيات خاصة بأفلام. تنتصب تماثيل بالحجم الطبيعي لشخصيّتي Jake وNeytiri، البطلين الزرقاوين في سلسلة Avatar، إلى جانب الهيكل الفولاذي الخاص بـTerminator، نموذج عن الملكة المخيفة من فيلم Aliens ونموذجان لسفينة Titanic أحدهما يمثل البنية العملاقة المستخدمة في المشاهد تحت الماء والآخر يجسّد الحطام الذي ظهر في الوثائقي الشهير.

هذا العرض الآسر يشكّل تمهيدًا مثاليًا للقاء المخرج الرؤيويّ الذي يقف وراء أعمال أسطورية مثل The Terminator وAliens. فقد استحق Cameron عن جدارة لقب ملك شبّاك التذاكر، إذ حقّقت أفلامه ومن بينها Titanic وفيلما Avatar (حتى الآن)، إيرادات تجاوزت 7.5 مليارات دولار حول العالم. بالفعل راوٍ لا يعرف السكون، تعود جذوة شغفه بالمحيط إلى فيلم The Abyss، الذي صوِّر جزء كبير منه تحت الماء داخل خزان تبلغ سعته 7.5 ملايين غالون في منشأة نووية مهجورة، قبل أن يتوّجه بنجاح ساحق في Titanic الذي حصد أحد عشر جائزة أوسكار. أما اليوم، فيبلغ هذا الشغف ذروته مع الجزء الثالث المنتظر من سلسلة Avatar بعنوان Fire and Ash، المقرّر صدوره في السابع عشر من ديسمبر القادم.

Un espresso?” يسأل Cameron باللغة الإيطالية المتقنة على نحو مفاجئ، وهو يرحّب بنا في قاعة اجتماعات تزيّن جدرانها رسوماته وملصقاته القديمة من شبابه، ثم يجلس مستعدًّا للحديث عن أحدث أفلامه، الطبيعة، التكنولوجيا، هوليوود والمستقبل الذي ينتظرها.

جيمس كاميرون
All clothes, TALENT’S OWN; Watch: Oyster Perpetual Rolex Deepsea in Oystersteel with Cerachrom bezel insert in black ceramic and Oyster bracelet, by ROLEX

إسكواير: كانت رسالة الجزء الأول من Avatar واضحة، إذ تناولت موضوعات حماية البيئة، جشع الشركات وهشاشة الشعوب الأصلية.

ج. ك.: إلا أن الجزء الثاني The Way of Water، حوّل تركيزه نحو تدمير الغابات المطيرة والمحيطات، متناولًا قضايا كالتلوث، الصيد الجائر وصيد الحيتان. أنا شغوف للغاية بحماية هذه البيئات حتى إنني أطلقت سلسلة وثائقية خاصة بـNational Geographic حول هذا الموضوع. أما في Fire and Ash، فقد تراجع التركيز على القضايا البيئية قليلًا، إذ كنت أبتغي تناول موضوع محدد في هذا العمل.

إسكواير: ما هو هذا الموضوع؟

ج. ك.: موضوع الفقدان. راودني إحساسٌ عميق بضرورة الغوص في جوهره واستكشاف تبعاته النفسية والوجودية. أرى أنّ الأفلام التجارية الضخمة ولا سيّما أفلام الأبطال الخارقين، كثيرًا ما تخفق في مقاربة هذا الجانب الإنساني الدقيق. ففقدان من نحبّ كما يحدث مع Neytiri و Jake Sullyفي ختام Avatar 2، لا يترك الإنسان على حاله، بل يبدّل ملامح حياته إلى الأبد. ردّات الفعل الانتقامية التي نشهدها في تلك الأعمال تبدو مفتعلة وبعيدة عن الواقع؛ إذ لا يعالج البشر أحزانهم بتلك السطحيّة. فالحزن في جوهره، قادر على أن يشلّ الكيان ويثقل الروح، وهو ما تعانيه Neytiri في مستهلّ Fire and Ash. كان الهدف أن أقدّم تجربة إنسانية صادقة، تجسّد حقيقة العاطفة البشرية في أسمى تجلّياتها. فخلف تلك الكائنات الزرقاء العملاقة تختبئ حكاية بالغة العمق عن العائلة، الحب والفقدان. هو فيلم من صياغة البشر ومن أجلهم.

إسكواير: ما الذي ترمز إليه النار والرماد في عنوان الفيلم؟

ج. ك.: يشيران بشكلٍ مباشر إلى العشيرة المعادية التي تظهر في الجزء الجديد، غير أنّ النار ترمز أيضًا إلى الدمار والكراهية؛ فهي قوّة فوضوية مدمّرة، تذكّرنا بما شهدناه في لوس أنجلوس حين التهمت ألسنة اللهب المنازل والأحياء. أمّا الرماد فيجسّد الحِداد؛ إنّه الألم الذي يغذّي نار الكراهية في دائرة لا تنتهي. تأمّل مثلًا الصراع الإسرائيلي–الفلسطيني أو عدوان روسيا على أوكرانيا؛ صراعات لا تنفكّ تدور في حلقة مفرغة، حيث يلقي كل طرف باللائمة على الآخر. كيف يمكننا كسر هذه الدائرة؟ هذه القضايا حاضرة بعمق في الفيلم. Avatar 2 و3 يشكّلان جزأين متكاملين من سردٍ واحد، بينما سيتناول الجزءان الرابع والخامس حبكة مختلفة، إن قدّر لي إنجازهما. آمل ذلك وأتطلّع بشغف إلى تحقيقهما.

All clothes, TALENT’S OWN; Watch: Oyster Perpetual Rolex Deepsea in Oystersteel with Cerachrom bezel insert in black ceramic and Oyster bracelet, by ROLEX

إسكواير: مع النجاح الهائل لفيلمي Barbie وOppenheimer، يتشوّق الجميع لمعرفة ما إذا كان فيلمك سينقذ شباك التذاكر هذا العام.

ج. ك.: من هذه الناحية، أرى أن Avatar كان دائمًا حالة استثنائية في السوق السينمائية. هل يمكنه إنقاذ الصناعة؟ بالطبع لا. لكن يمكننا أن نرجو تحقيق بعض الأرباح، وأن نثبت في الوقت نفسه ما لا يزال في مقدور السينما أن تقدّمه من إبداع. لا أستطيع التنبؤ بالمستقبل، لكنني واثق من أننا أنجزنا فيلمًا عظيمًا.

إسكواير: كيف حال هوليوود في هذه الأيام؟

ج. ك.: تمرّ بمرحلة عصيبة. خلال الجائحة، شهدنا صعود المنصّات الرقمية، حيث أغرت الشركات التقنية العملاقة صانعي الأفلام بعروضٍ مغرية وميزانيات ضخمة، ووعدتهم بمستوى جودة يضاهي أفلام السينما، لكن من دون قيود أو حدود زمنية أو رقابة، فانجرف الجميع إلى ذلك التيّار. غير أنّ الأمور انقلبت فجأةً، فهبطت الميزانيات إلى نصف أو حتى ثلث ما كانت عليه قبل خمس سنوات. كذلك، مع الإضرابات الأخيرة، تفاقم الانحدار المالي أكثر فأكثر.

All clothes, TALENT’S OWN; Watch: Oyster Perpetual Rolex Deepsea in Oystersteel with Cerachrom bezel insert in black ceramic and Oyster bracelet, by ROLEX

إسكواير: كيف حدث ذلك؟

ج. ك.: جاء توقيت الإضرابات في أسوأ لحظة ممكنة. صحيح أنّها حقّقت مكاسب للكتّاب والممثلين، لكنها في المقابل أودت بالعديد من أفراد الطواقم إلى فقدان وظائفهم. في الوقت نفسه، توقّف إنتاج الأفلام التي ترتكز بشكلٍ كبير على المؤثرات البصرية المبهرة، إذ باتت تكاليفها باهظة جدًا. المفارقة أنّ الكلفة الحقيقية لا تكمن في التكنولوجيا ذاتها، بل في الكوادر البشرية، أولئك الفنّانون الذين يصنعون باستخدام تلك المؤثرات، عوالم تتجاوز حدود الخيال.

جيمس كاميرون
All clothes, TALENT’S OWN; Watch: Oyster Perpetual Rolex Deepsea in Oystersteel with Cerachrom bezel insert in black ceramic and Oyster bracelet, by ROLEX

إسكواير: يستخدم بعض المخرجين اليوم الذكاء الاصطناعي التوليدي لخفض التكاليف.

ج. ك.: بالطبع. غير أنني لست مهتمًّا بذلك أو على الأقلّ لست معنيًّا باستخدام الذكاء الاصطناعي في إنتاج الصورة النهائية. أنوي دمجه في عملي في مرحلةٍ ما، لأنني لا أرغب في أن أبدو كمن يرفض التطوّر، لكنّني أفضل الاعتماد على قدرتي التحليلية الخاصة في حلّ المشاكل. في الوقت الراهن، أحاول أن أستكشف إن كان بالإمكان وكيف يمكن توظيف الذكاء الاصطناعي التوليدي في المؤثرات البصرية. من الجدير بالذكر أن الصور التي رأيناها في Avatar لم تعتمد على هذه التقنية إطلاقًا؛ فعلى مدار العقدين الماضيين، كنا نستخدم تقنيات التعلّم الآلي وهي الجيل الممهّد للذكاء الاصطناعي التوليدي لإدارة مشاهد الحشود ولتوليد خوارزميات تسهم في ابتكار نماذج للشخصيات استنادًا إلى البنى الممثلين الجسدية.

إسكواير: دون أن تحلّ مكان الممثلين؟

ج. ك.: أبدًا. نحن نحتفي بالممثلين ونقدّرهم. لم نجبر أحدًا منهم يومًا ولم نحاول أن نفرض عليهم مشاعر زائفة. فإذا رغبت في أن يتّسم المشهد بعمقٍ عاطفي أكبر، ببساطة أطلب من الممثل ذلك، لأنني أثق في العملية الفنية وفي قدرتهم على تجسيدها بصدق. استغرق الأمر وقتًا طويلًا للوصول إلى تلك الأداءات الأصيلة، لكن يجدر بنا ألّا نخلط بين الذكاء الاصطناعي الحالي وبين الذكاء العام الاصطناعي (AGI) الذي تناولته في Terminator 2؛ فذلك سيكون خطرًا حقيقيًا. لحسن الحظ، لم نصل إلى تلك المرحلة بعد.

إسكواير: هل يثير الأمر قلقك؟

ج. ك.: لا يمكنني إنكار ذلك. فجميع أفلامي تفصح في جوهرها، عن الحقيقة ذاتها: لقد أفسدنا كل شيء. غير أنها تقرّ أيضًا بأننا أذكياء، أقوياء، وأن الحب هو النسيج الذي يجمعنا ويوحّدنا، تمامًا كما تتجلّى تلك الرابطة الأزلية بين الأمهات وبناتهنّ في Aliens وThe Terminator. منذ طفولتي وأنا مولعًا بالخيال العلمي، لأنه يستشرف المستقبل؛ أحيانًا يحاول التنبؤ به فيخفق إخفاقًا ذريعًا، وأحيانًا يصيبه بدقّة مدهشة. غير أن دوره الأسمى هو أن يعكس لنا صورتنا الحاضرة وأن يدفعنا إلى التساؤل: إلى أين نمضي؟ ماذا لو ساءت الأمور أكثر؟ ماذا لو ظلّت على ما هي عليه؟ الخيال العلمي يدور دومًا حول مستقبلٍ معتم. لا أحد يكتب روايات يكون فيها الجمال الجميل فحسب؛ إذ لا بدّ من صراعٍ يغذّي الدراما ويشعل شرارة الحكاية.

جيمس كاميرون
All clothes, TALENT’S OWN; Watch: Oyster Perpetual Rolex Deepsea in Oystersteel with Cerachrom bezel insert in black ceramic and Oyster bracelet, by ROLEX

إسكواير: هل منحك نجاحك في صناعة السينما حريةً إبداعيةً أكبر؟

ج. ك.: بفضل فيلم Titanic الأعلى إيرادًا في التاريخ والأكثر مبيعًا للتذاكر، قرّرت أن أسلك طريقًا آخر كنت قد أهملته سابقًا: طريق العلم، الاستكشاف والتكنولوجيا. أدرت ظهري لهوليوود سنواتٍ طويلة وكرّست نفسي لاستكشاف أعماق المحيط. قمت بذلك على مدى سبع سنوات أي من العام 1998 حتى 2005، لأبدأ على الفور مغامرتي مع Avatar، تلك التجربة التي استحوذت على حياتي بالكامل.

إسكواير: هل يساورك الشوق إلى أعماق البحر؟

ج. ك.: كنت مولعًا بالغوص الحرّ؛ كنت أنزل حتى عمق أربعين مترًا، لكن لم أعد قادرًا على بلوغ تلك الأعماق اليوم. ما زلت أستمتع بالغوص بجهاز التنفس، لأنه يتيح لي الوصول إلى أي عمقٍ بأمان، كونه متوازن ويعوّض ضغط المياه. ثم هناك الغوّاصات، وهي تجربة مختلفة كليًّا؛ فعندما تنزل داخل واحدةٍ منها، تضع حياتك بين يدي التكنولوجيا، لكن لا بدّ أيضًا أن تكون ملمًّا بأساسيات الهندسة والفيزياء. حين نزلت إلى التحدي العميق، أعمق نقطة على كوكب الأرض في خندق ماريانا، أصبحت ثالث إنسانٍ يبلغ ذلك العمق. أما الأوّلان فقد حقّقا هذا الإنجاز عام 1960، وكان من بينهما صديقي العزيز Don Walsh.

إسكواير: لا بدّ أنك تحتاج لتجهيزات متخصّصة وبالغة الدقّة لتصل إلى تلك الأعماق.

ج. ك.: من رأسي حتى أطراف أصابعي أو بالأحرى حتى معصميّ (يضحك)، إذ لا تفارقني ساعتي من Rolex. تربطني بالدار علاقة رائعة منذ ثلاثة عشر عامًا، منذ أن أصبحوا رعاةً لرحلتي الاستكشافية عام 2012. صمّموا لي ساعةً خاصّة من الصفر، رافقتني في رحلتي إلى أعمق نقطة في محيطات العالم، وتحمّلت ضغطًا هائلًا بلغ 16,500 رطل لكل بوصة مربّعة. إنها ساعة ضخمة وصلبة، أكبر حجمًا من تلك التي أرتديها الآن، وقد خلّدت بها ذكرى غوصي الانفرادي إلى الأعماق. يتدرّج قرصها من الأزرق إلى الأسود، في محاكاةٍ للانتقال من نور الشمس إلى ظلمة الأعماق، بينما يطابق النص الأخضر لون الغواصة التي كنت داخلها. إنها إصدار خاص من Deepsea.